هل تنتحر الولايات المتحدة ذاتيّاً؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

9 آب 2019
العربي الجديد

قد يبدو السؤال الذي يطرحه عنوان هذا المقال غير منطقي، وغير متسق مع الانطباع العام السائد عن الولايات المتحدة الأميركية، فهي أقوى دولة عسكرياً، وتملك أكبر اقتصاد، أو ثاني اقتصاد عالمي بعد الصين، حسب أي المعايير تُوَظَّفُ هنا، وعملتها، الدولار، هي العملة الرسمية في التعاملات الدولية. كما أنها دولة مؤسسات عريقة، وديمقراطية حيةٍ نابضة، فضلا عن مستوى تعليميٍ راقٍ، وتقدم تكنولوجي كذلك. أيضاً، تملك الولايات المتحدة موقعاً جغرافياً فريداً، إذ إنها تطل على ثلاثة محيطات: الهادي في الغرب، والأطلسي في الشرق، والمتجمد الشمالي في الشمال. وهي ثالث دولة من حيث المساحة عالمياً (3.8 ملايين ميل مربع)، وبعدد سكان كبير (330 مليوناً تقريباً)، وهي كثافةٌ لا تشكل عبئاً على حجمها الجغرافي، مقارنة بالصين مثلاً، التي تعاني كثافة سكانية خانقة، أو روسيا التي تعاني عكسياً من قلة الكثافة السكانية قياساً إلى حجمها. كما تملك الولايات المتحدة ثروات ومصادر طبيعية قلَّ نظيرها، سواء على صعيد الطاقة، كالنفط والغاز والفحم الحجري، أم على مستوى المعادن النفيسة كالذهب، وهي فوق هذا وذاك تحوي مياهاً عذبة وأراضي زراعية خصبة، وفيها جبال وسهول وصحاريّ وأنهار ومحيطات.. إلخ. 
باختصار، أميركا بلد يملك كل ما أهلها لتكون ما هي عليه اليوم، القوة الأولى عالمياً. ولكن هذه المكانة الأميركية، حتى وهي في أوج عزها، تشهد تضعضعاً واضحاً، وتحمل بذور فنائها إن لم يتم تدارك ذلك قبل فوات الأوان، بحيث قد تنتهي أميركا مجرّد إمبراطورية أخرى عظيمة سابقة ككثيرات غيرها عرفها التاريخ، بلغت القمة ثمَّ هوت بطيئاً، أو سقطت سريعاً، وفي الإمبراطوريات الإغريقية والبابلية عبرة في العصور السحيقة، وكذلك في الرومانية والفارسية بعدها، ثم الإسلامية في العصور الوسطى، وصولاً إلى بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي في العصور الحديثة. 
طبعاً، يستحيل تفكيك كل المعطيات السابقة، والتي وردت على سبيل المثال لا الحصر، في مقال سريع كهذا، ولكن تكفي الإشارة هنا إلى أن الولايات المتحدة، والتي يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي أكثر من 20 تريليون دولار سنوياً، في حين يبلغ الناتج المحلي للفرد أكثر من 62.000 دولار، هي أكثر الدول في العالم مديونية، حيث يتجاوز دينها العام 22 تريليون دولار، في حين يبلغ دين كل مواطن أكثر من 68.000 دولار. أما إذا حصرنا الدين في دافعي الضرائب بين المواطنين فإن الرقم يقترب من 183.000 دولار على كل واحد منهم. ويقترب عجز المصاريف الأميركية، سنوياً، من حوالي تريليون دولار من أصل أكثر من أربعة تريليونات دولار. 
مرة أخرى، ما سبق ليس محاولة لتبسيط المشهد، فالولايات المتحدة تبقى اقتصاداً ضخماً، وقوة عسكرية جبارة، وبلداً متقدّماً، وتملك عقولاً فذّة، ومؤسسات قوية. ولكن ذلك كله مهدّد، منذ عقدين ونصف على الأقل، والسبب الأبرز لذلك أنها تعاني من ضبابية في رؤيتها ومشروعها، خصوصا بعد انتهاء الحرب الباردة مطلع تسعينيات القرن الماضي والتحدّيات المتتالية، على جبهات عدة، لمعادلة أحادية القطب التي حاولت فرضها عالمياً. كما تعاني الولايات المتحدة من تخبط قراراتها الاستراتيجية الكبرى، خصوصا في مرحلة ما بعد هجمات "11 سبتمبر" في 2001، وإطلاقها حرباً على عدو هلامي، غير مُعَرَّفٍ بشكل واضح، وهو "الإرهاب الإسلامي" الذي لم ينحصر في أفغانستان، وإنما توسع ليشمل قارات العالم، ثمَّ ما تلا ذلك من غزو باهظ الثمن، استراتيجياً وعسكرياً واقتصادياً، للعراق، انطلاقاً من نظريات إيديولوجية، تمَّ تجاوز نصائح المؤسستين الاستخباراتية والعسكرية فيها. وعلى الرغم من أن الرئيس السابق، باراك أوباما، جاء محاولاً إصلاح الأعطاب الكبرى التي ألحقها سلفه، جورج بوش الابن، بالقوة الأميركية واستنزافها بشكل مريع، إلا أنه انتهى هو نفسه خالقاً مشكلة أخرى، إذ أصبحت الولايات المتحدة في عهده قوة عسكرية واقتصادية ضخمة، ولكنها متردّدة لا تملك إرادة حاسمة، ولا عزماً قاطعاً في التعامل مع التحديات الدولية، وتحديداً مع قوى كالصين وروسيا وإيران. 
كل ما سبق يمكن وضعه في كفة، وما تشهده الولايات المتحدة في السنوات الثلاث الأخيرة تحت إدارة دونالد ترامب في كفة أخرى، إذ إنها جمعت كثيراً من عيوب الإدارات التي سبقتها وبزّتها فيها. تعاني الولايات المتحدة تحت إدارة ترامب تخبّطاً في سياساتها الداخلية والخارجية، ولا يمكن الاتفاق على ناظم موضوعي لسياستها الخارجية، لا مع الحلفاء ولا مع الخصوم، ولا حتى مع الأعداء. وثمة اتفاق اليوم أن إدارة ترامب تعيش حالة فوضى شاملة انتقلت إلى سياساتها ومقارباتها، داخلياً وخارجياً. إن أحداً لا يعلم اليوم الحليف الأميركي من الخصم، حيث تجد ترامب يصعّد مع أوروبا وكندا وألمانيا وفرنسا، في الوقت الذي يغازل فيه روسيا. يهدّد كوريا الشمالية بحربٍ نووية لا تبقي ولا تذر، ثمَّ يتراجع ويعلن عن علاقة حب مع زعيم الدولة التي تعدّها الولايات المتحدة إلى اليوم دولة مارقة. يعلن حرباً تجارية مع الصين، ثم يتراجع، ثم يعود إليها. ينسحب من الاتفاق النووي مع إيران ويهدّدها بحربٍ ساحقة، ثمَّ يتردد ويستجدي حواراً معها، في الوقت الذي يخنقها فيه اقتصادياً. يعلن الانسحاب من سورية بالتوافق مع تركيا، ثمَّ يغير رأيه وَيُصَعِّدُ مع هذه الأخيرة. الأمثلة هنا كثيرة، ومرة أخرى، يصعب حصرها في هذه العجالة. 
إلا أن أخطر ما جاءت به رئاسة ترامب أميركا هو جهوده الحثيثة لتقويضها داخلياً، سواء عبر التطاول على الدستور، أو إضعاف مؤسساتها، أو تسفيه قِيَمِها، أو عبر اللعب على الحساسيات الدينية والعرقية والإيديولوجية والحزبية فيها. ولعل في الهجوم الدامي الذي قام به أميركيٌ عنصريٌ أبيض في مدينة إلباسو في ولاية تكساس، يوم السبت الماضي، وقتله اثنين وعشرين شخصاً، وجرحه أربعة وعشرين آخرين، من أصول لاتينية، أغلبهم مواطنون أميركيون، ما يغني عن كثير شرح هنا. لم يتردّد القاتل، في بيان تبرير جريمته، أو الـ"مانيفستو"، في استعارة مصطلحات ما فتئ ترامب يطلقها ضد المهاجرين من أصولٍ لاتينية، كحديثه عن "غزوٍ" من المهاجرين لأميركا. وعلى الرغم من محاولات ترامب التبرؤ من الجريمة، وإدانته أخيراً، بعد قرابة سنوات ثلاث من رئاسته، الحركات العنصرية البيضاء العنيفة، إلا أنه ما زال يصر على مقولاته وسياساته التي تضع أميركا في حربٍ أهلية مفترضة، بين العنصريين البيض وغيرهم، وبين الجمهوريين والديمقراطيين، وبين قيم التسامح والاستيعاب الأميركي داخلياً وخطاب الكراهية. 
نعم، أميركا تسير على طريق الانتحار الذاتي، والأسباب كثيرة، إلا أن واحدةً من أخطرها هي إضعاف الميزة التي لطالما تباهت بها الولايات المتحدة، "قِدْرُ الصهر"، أو ما يعرف أميركياً بالـmelting pot، والتي ضمنت لأميركا، على الرغم من كل الهفوات في تطبيقها، تجدّد شبابها كدولة، وإبداعها، جرّاء هجرة العقول والأيدي العاملة إليها، وصهرها جميعاً في مجتمع متجانس على الرغم من تعدّده. بعد ذلك كله، هل يا ترى تقدر أميركا على تجديد نفسها مرة أخرى والخروج من عباءة العجز الذاتي وعباءة رئاسة ترامب؟ هذا ما ستجيب عنه السنوات المقبلة.