هل ستتجه تركيا مع المملكة العربية السعودية إلى الحرب في سورية؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

25/4/2015
War on the rocks
المؤلف: 

(ترجمة السورية)

في شهر تشرين الأول من عام 2014، قال رئيس وزراء تركيا أحمد داوود أوغلو لمذيعة قناة CNN كريستيان آمانبور إنه في حال فرضت الولايات المتحدة منطقة حظر جوي في شمال سورية فإن تركيا سترسل قواتها البرية هناك. بعد ذلك، نشرت أنقرة خريطة تصف منطقة عازلة تحت حماية أمريكية تركية تشمل كامل الحدود التركية مع سورية، عدا المنطقة الخاضعة لسيطرة "الدولة الإسلامية" المحيطة بمدينة تل أبيض.

لقد دعت تركيا لاستخدام القوة الجوية لإنشاء منطقة آمنة تمتد على طول الحدود – وحتى مدينة حلب – منذ تشرين الثاني من عام 2011. تصورت أنقرة استخدام هذه المنطقة كمساعدة على تنظيم المعارضة السورية لتشكل ضغطاً على بشار الأسد كي يتنحى من منصبه كرئيس. هدف أنقرة منذ شهر أيلول من عام 2011 كان رحيل الأسد، عندما انفصلت عن النظام السوري في دمشق.

أحجمت الولايات المتحدة عن تلبية طلبات أنقرة المتكررة لاعتناق سياسة أكثر حزماً في سورية. وقد ولد هذا التردد الأمريكي تنبؤات كثيرة بأن أنقرة قد تختار التدخل وحيدة في سورية. وفيما يتفق مع ذلك، استمرت المصادر التركية بإخبار الناس سراً بأنهم عملوا مع المملكة العربية السعودية لإيجاد استراتيجية للتدخل في سورية.

وفقاً للشائعات في أنقرة، فإن هذه العملية قد تتضمن استخدام القوى الجوية السعودية والتركية لمنع القوة الجوية السورية من التحليق وسيقومون بحراسة منطقة الإقصاء الجوي سوياً على طول الحدود التركية مع سورية. وستقدم الجيش التركي حينها إلى هذه المنطقة وسينشئ المنطقة التي سعت لها تركيا منذ قرابة نصف العقد من الزمن. وقد أكدت صحيفة The Huffington Post صحة هذه الإشاعات الأسبوع الفائت، في تقرير لها أفاد بأن المحادثات بين الرياض وأنقرة حول عمليات عسكرية مشتركة تجري بالفعل.

يشير ذلك إلى أن كلا البلدين على استعداد للتدخل بغض النظر عن الموقف الأمريكي. وبالفعل، في الأشهر الأخيرة، تجاوزت الرياض وأنقرة خلافاتهما حول اتجاه الحرب التي تخوضانها في سورية – ويبدو أنهما الآن متحدتان في دعمهما لجيش الفتح، الذي يمثل جماعات الثوار والتي سيطرت مؤخراً على محافظة إدلب في سورية. ولكن، فيما يتجاوز هذا التعاون في سورية، هنالك عدة أسباب للتشكيك باحتمال حدوث تدخل عسكري سعودي تركي في سورية – يتعلق أهمها، لكن ليس كلها، بالسياسات التركية المحلية. حيث أن حدوث ذلك سيتطلب من أردوغان التضحية بطموحاته السياسية الشخصية، وهذا لا يبدو مرجحاً.

أولاً، هنالك بعض الوقائع العسكرية التي يجب علينا مواجهتها. إن القوة الجوية السعودية متورطة في حرب فوضوية في اليمن. سيكون من الصعب عليهم القتال وتغطية حربين جويتين. إن المتطلبات الضرورية للحفاظ على دوريات جوية سريعة فوق معظم مناطق سورية، والمعلومات الاستخباراتية المطلوبة لاستهداف مواقع الأسد بشكل مستمر، والحاجة المرجحة للقوى الجوية السعودية لدعم القوات البرية التركية قد تفوق إمكانية كلا البلدين. سيكونان بحاجة للولايات المتحدة لحماية القوات التركية بشكل فاعل على الأرض.

ثانياً، لن يكون التدخل التركي في سورية مرحباً به داخلياً. فإن كل الأحزاب السياسية في تركيا قد بدأت رسمياً بحملاتها للانتخابات الوطنية في شهر حزيران من عام 2015. ويقود السياسي الأهم في تركيا، رجب طيب أردوغان، حملة علنية لإحداث تغيير كبير في دستور البلاد – سيتضمن تقوية النظام الرئاسي لصالحه. لتحقيق ذلك، سيكون على حزب العدالة والتنمية الحصول على 18 مقعداً. لدى الحزب الآن 312 مقعد في البرلمان، ولكنه بحاجة لـ 330 مقعد ليصيغ دستوره الخاص وليقدمه للبرلمان لاستفتاء وطني. تبدي بيانات استطلاع الرأي أن تحقيق ذلك سيكون أمراً صعباً للغاية – ولكنه قد لا يكون مستحيلاً.

استهدفت المعارضة التركية بانتقادها تعامل حزب العدالة والتنمية مع السياسة الخارجية وتناولت خاصة النهج الذي يتبعه الحزب الحاكم للتعامل مع الصراع السوري. إن سياسة حزب العدالة والتنمية المتعلقة بسورية لا تلاقي الشعبية. لقد هاجمت المعارضة أيضاً حزب العدالة والتنمية لتقديمه الدعم المالي والعسكري للمعارضة السورية. لقد أدت هذه الهجمات لنشر الاعتقاد بأن الحزب يدعم "الدولة الإسلامية" وجبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة – وهي تهم ينكرها حزب العدالة والتنمية بشدة. ولكن، إن كان حزب العدالة والتنمية سيتدخل، فإنه سيعرض نفسه لنقد أشد يركز على دعمه المزعوم لهذه الجماعات.

سيبتعد حزب العدالة والتنمية عن أية عمليات عسكرية قد تؤدي لإنقاص دعم الشعب له في الوقت الحالي. إن إدخال آلاف القوات التركية إلى سورية سيؤدي بالتأكيد لوقوع خسائر وسيقوي شبح الحرب مع الحكومة السورية المركزية. مثل هذا الفعل سينقص بالتأكيد شعبية حزب العدالة والتنمية، مما سيضع آفاقه الانتخابية في موضع الشك.

وأكثر من ذلك، فسيبقى هنالك أسئلة جدية حول مدى أي تدخل عسكري تركي. في منتصف تموز من عام 2012، سيطر حزب الاتحاد الديمقراطي على ثلاث "مدن" متجاورة (تعرف كلها بالروج افا) في شمال سورية. حزب الاتحاد الديمقراطي متصل بحزب العمال الكردستاني، الذي استمر بشن حملة قتال ثورية متقطعة ضد الدولة التركية منذ عام 1984.

إن الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني في تركيا هو حزب الشعب الديمقراطي. هذا الحزب هو من يحمل مفتاح مستقبل أردوغان. لكي تدخل الأحزاب السياسية إلى البرلمان التركي يجب أن تحصل على أكثر من 10 بالمئة من الأصوات. وقد عمد السياسيون الأكراد للتحايل على هذا عادة عبر الترشح كمستقلين، وبعد جمع أكثر من 10 بالمئة من الأصوات في المقاطعات ذات الأغلبية الكردية، يقومون بتشكيل تكتل سياسي كردي مشترك في البرلمان.

في هذا العام امتنع حزب الشعب الديمقراطي عن القيام بذلك، وتعهد عوضاً عن ذلك بأن يترشح كحزب. وبتجاوز الحزب عتبة العشرة بالمئة، لن يحصل حزب العدالة والتنمية على الأصوات الـ 330. وإن لم يستطع تجاوزها، فإن الأصوات التي قدمت لحزب الشعب الديمقراطي سيعاد تخصيصها. مما سينفع حزب العدالة والتنمية وقد يدفع الحزب لتجاوز عتبة الأصوات الـ 330. ولهذا السبب، كرس أردوغان وحزب العدالة والتنمية أغلب حملتهم لمهاجمة رئيس حزب الشعب الديمقراطي المشارك صلاح الدين دميرتاز.

لقد أدت هذه الهجمات لتجميد أردوغان لمفاوضات السلام التي تقودها الدولة مع حزب العمال الكردستاني. لقد قام أردوغان بذلك لسببين مترابطين: الأول: أن حزب العدالة والتنمية يخسر أصواته الوطنية لصالح حزب الحركة القومية اليميني. إن حزب الحركة القومية يعارض بشدة محادثات السلام، محذراً من أن التنازل عن السيطرة المحلية للأكراد (وهي أحد المطالب الأساسية) سيعادل فصل الدولة التركية لدولتين.

ثانياً: أردوغان – وليس بالضرورة كل حزب العدالة والتنمية – له مصلحة في فشل حزب الشعب الديمقراطي بتجاوز عتبة العشرة بالمئة. للقيام بذلك، يعمل أردوغان على إنقاص الدعم الليبرالي التركي لحزب الشعب الديمقراطي عبر التسليط على صلات الحزب بحزب العمال الكردستاني. عبر القيام بذلك، ينوي أردوغان دفع اليساريين الأتراك للبقاء في منازلهم في يوم الانتخابات، أو لأن يقدموا أصواتهم لحزب الشعب الجمهوري غير المهم.

على الرغم من هذه الخلفية، فإن الاصطدام الأخير في محافظة آغري التركية بين الدرك التركي وميليشيات حزب العمال الكردستاني التي كانت تقدم الأمن لتجمع لحزب الشعب الديمقراطي (وهو أمر أصبح معتاداً خلال العامين السابقين) قد زاد من التوتر كثيراً. وقد جدد تبادل إطلاق النار المخاوف من عودة العنف. وهذا يعيدنا إلى الهجوم التركي السعودي في سورية.

إن التدخل العسكري التركي في سورية سيزيد من مخاطر اصطدام الجيش التركي مع ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي في سورية. أي اصطدام كهذا سيزيد من مستويات التوتر مع الأكراد في تركيا، وبالتالي سيخاطر بعودة العنف في الوقت الذي ستكون فيه القوات التركية خارج البلاد. سيؤدي أي عنف كهذا إلى تقويض شعبية حزب العدالة والتنمية أكثر، وسيؤدي خاصة لتزايد تحول الناخبين المتعاطفين مع حزب العدالة والتنمية الآن إلى حزب الحركة القومية.

هذه المخاوف ستستمر إلى ما بعد الانتخابات التي ستحدث في شهر حزيران – ما سيستدعي التشكيك في إن كان الجو الانتخابي سيسمح بحدوث تدخل تركي سعودي عسكري خلال الأشهر التي ستلي الانتخابات. إن تخطى حزب العدالة والتنمية عتبة الأصوات الـ 330، فسيكون بحاجة لحشد الدعم للدستور خاصته قبل الاستفتاء الشعبي. سيكون أمام حزب العدالة والتنمية خيارين في حال حدث ذلك. أولاً، قد يلتزم بالحق الوطني وسيتودد لناخبي حزب الحركة القومية ليدفعوه فوق عتبة الـ 50%. إن حدث ذلك، فإن أية حملة دموية خارج البلاد قد تنقص الأصوات – حتى لو شهد حزب العدالة والتنمية شعبيةً وجيزةً في استطلاعات الرأي "لإظهاره القوة" ولمواجهته الأسد. إلا أن هذا الدعم سيتطلب حملة عسكرية ناجحة. وفي سورية، ستتبع مثل هذه الحملة قتالاً شبيهاً بأسلوب الثوار ولذا فمن المؤكد أنها ستخلف خسائر في الأرواح.

في حال تخطى حزب الشعب الديمقراطي عتبته، فإن توظيف القوات خارجاً لن يكون حكيماً. إن حزب العدالة والتنمية سيكون بحاجة إلى حزب الشعب الديمقراطي خلال المفاوضات حول الدستور، حتى في حال إن لم يكن من المرجح أن يغدو أردوغان رئيساً تنفيذياً في هذا السيناريو. كما أن حزب الشعب الديمقراطي سيعارض بالتأكيد أي تدخل في سورية، ما يعني أن أي قرار كهذا سيكون منوطاً بتصويت جماعي لحزب العدالة والتنمية للتصريح باستخدام القوة خارج البلاد. وفي غياب الدعم الدولي – وقرار من مجلس أمن الأمم المتحدة – فمن غير المرجح أن يقترح حزب العدالة والتنمية مثل هذه السياسة.

ولكن، سيكون المرء مهملاً في حال تجاهل الإحباط التركي والسعودي من سياسة واشنطن في سورية. إن أنقرة مستاءة بشدة من مسار حملة التفجير الحالية وتركيزها المحدود على "الدولة الإسلامية". وأكثر من ذلك، فإن ارتياب المملكة العربية السعودية من إيران يقودها لاتخاذ قرارات متهورة. لذا فليس بإمكان التنبؤ تماماً بتصرفاتهم في سورية. لقد زادت أنقرة والرياض بالتأكيد من تعاونهما في الأشهر الأخيرة. وعلى الأرجح فإن نتيجة تعديل هذه المقاربات للصراع السوري هو زيادة الدعم للثوار السوريين، بشكل مستقل عن برنامج التسليح والتدريب الأمريكي.

وهكذا، يجب أن يتوقع المرء أن يشهد دعماً أكبر لجماعات ثوار معينة وتعاوناً استخباراتياً أكبر. ولكن، من الصعب توقع أي مسار لعملية عسكرية سعودية تركية في سورية. فإن السياسة في أنقرة لا تتوافق معها وإن رجب طيب أردوغان في حاجة لكل صوت بإمكانه الحصول عليه لتحقيق طموحاته برئاسة تنفيذية.

تعليقات