هل ستشرق الشمس من موسكو بالتمني؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

14/11/2014
السورية نت

أثارت زيارة الشيخ معاذ الخطيب إلى روسيا مؤخراً، ردود فعل متباينة حول جدوى الزيارة في هذا الوقت، بعد تجارب سابقة لمعارضين سوريين، ظنوا سابقاً أن الخلاص يكمن في بلد "الدب الأبيض" الذي دأب على مدار نحو أربع سنوات على دعم نظام الأسد سياسياً وعسكرياً دون أي تردد. وتحدث الشيخ معاذ بعيد عودته من موسكو عن شمس جديدة قد تشرق من روسيا وتنهي معاناة الشعب السوري، وكتب شارحاً أسباب زيارته التي وصفها بالإيجابية، ووضع عنواناً عريضاً لها هو "هل ستشرق الشمس من موسكو"؟

الشمس الجديدة التي تحدث عنها الخطيب لن تقشع بسهولة الغيوم الكثيفة التي تلبد أفق القضية السورية، حتى على الرغم من التأكيد الروسي للخطيب بأن موسكو غير متمسكة بالأسد. وإذا كان التعويل على هذا التصريح دفع الخطيب والوفد المرافق له إلى مزيد من التفاؤل، فهذا يدعوهم إلى قراءة جديدة متأنية للتصريحات الروسية خلال الثورة السورية، فالروس دأبوا خلال الثورة على التلاعب مع المعارضة السورية بالتصريحات وعمل العكس دون خجل أو حياء، ولم يصدقوا في تصريحاتهم سوى مع حليفهم الأسد، وأمنوا حماية له من محاسبة المجتمع الدولي، عبر استخدام "الفيتو" في مجلس الأمن 4 مرات ضد قرارات تدين الأسد.

وليست هذه المرة الأولى التي تعلن روسيا عن عدم تمسكها بالأسد، ففي 9 ديسمبر/ كانون الأول 2012، خرج وزير الخارجية الروسي "سيرغي لافروف" وقال إن بلاده غير متمسكة بالأسد أو بأي شخصية أخرى"، وسبق كلام لافروف تصريح لنائب وزير الخارجية الروسي "غينادي غاتيلوف" الذي قال في منتصف سبتمبر/ أيلول من العام نفسه إن روسيا تدافع عن ميثاق الأمم المتحدة ولا تدافع عن شخصية الأسد، إذاً ما الجديد في التصريح الروسي الأخير للخطيب وهل فعلاً يمكن اعتقاد أنه بداية تحول في الموقف الروسي؟

حقيقة إن الدعم الروسي والإصرار على بقاء الأسد أو التخلي عنه أكبر من مجرد تصريح روسي. وذكر الخطيب أنه ذهب إلى روسيا بعد دعوته مرات عدة، وبناء على ذلك لابد من السؤال هنا هل قدمت روسيا ضمانات للخطيب مقابل الزيارة؟. بل في الأصل ما قيمة الضمانات الشفهية فيما لو قدمت له. ويكفي القول إنه في الوقت الذي كان الخطيب يجتمع بالمسؤولين الروس، كان وزير خارجية نظام الأسد وليد المعلم يتحدث عن صفقة صواريخ الـ"S300"  الروسية التي ستصل إلى نظام الأسد، والتي لن تعود على الشعب السوري إلا بالخراب.

وإذا كانت روسيا أخبرت الخطيب أنها في صدد الإعداد لمؤتمر "جنيف 3" وجمع المعارضة والنظام على طاولة واحدة وصولاً إلى حل يرضي الجميع، فهذا يعني أن روسيا أرادت أن تطيب خواطر وفد المعارضة ليس أكثر. فخلال مؤتمر "جنيف 2" كانت روسيا أحد المعطلين الأساسيين للمفاوضات حينها، نتيجة تعنتها وتمسكها بعدم الحديث عن مصير الأسد، فهل سيقبل الخطيب بجنيف آخر لا يتحدث عن مصير الأسد، لا سيما وأن الخطيب أكد في كلامه أنه أخبر الروس بأنه لا مستقبل للأسد في سورية، فكيف سيقنع الخطيب روسيا بالتخلي عن حليفها الاستراتيجي في دمشق.

في كل الأحوال، نعلم أنه في السياسية لا يوجد شيء بالمجان، وإذا أرادت روسيا فعلاً أن تمضي مع الخطيب إلى حل يرضاه الأخير، فعلى ماذا ستحصل روسيا كمقابل؟ وما الذي سيقدمه الخطيب ليقنع موسكو بضرورة تغيير موقفها؟، هل منحها عقود الغاز والنفط في سورية بعدما أعطى الأسد الروس حرية التصرف والسيطرة على ما تبقى له من سيطرة على هذين القطاعين، أم هل باستطاعة الخطيب وعد روسيا بإعادة الإعمار في سورية، وهو الأمر الذي لا تحسنه أصلاً؟

كما أنه من الخطأ بل الكارثة ألا يكون زوار موسكو قد قرأوا جيداً أهمية أدوار القوى الأخرى الفاعلة في القضية السورية مثل إيران وأميركا ومصالحها في سورية. فهل فكر الخطيب كيف يمكن إقناع إيران بالتخلي عن الأسد وضمان ألا تضع العصي في العجلات؟

باعتقادي أن إيران متمسكة اليوم بقوة بنظام الأسد، وقد ترى في رحيله خسارة كبيرة لها، ومضيعة لأربعة أعوام من الدعم العسكري والمالي والسياسي لبقائه في السلطة. إذ تمضي إيران أكثر من أي وقت مضى في استكمال احتلالها للمناطق التي لا يزال الأسد يسيطر عليها، وتطبق مشروعها التوسعي والديني على قدم وساق، ومن يقرأ التصريحات الأخيرة للمسؤولين في طهران، يدرك تماماً أنها تعتقد بشدة أن ما زرعته في سورية لن تتخلى عن حصاده بهذه السهولة. ثم ما الذي يدفع روسيا اليوم إلى تأزيم علاقاتها مع إيران من أجل الأسد، أو من أجل الخطيب، فالبلدان تجمعهما ملفات مشتركة هامة، وفي الأمس وافقت روسيا على بيع 8 مفاعلات نووية لطهران.

أما الولايات المتحدة التي أظهرت سياستها اتجاه سورية فشلاً ذريعاً، فهي ترى في سورية مسرحاً لتصفية الحسابات مع العدو التقليدي الروسي، وعملت أميركا في ملفات عدة على تحجيم دور موسكو في المنطقة، وأخر جهودها في هذا المضمار إخراج روسيا من التحالف الدولي ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، ومن هنا يمكن أن نفهم بأن روسيا ربما أرادت أن تجعل من لقائها للخطيب وحديثها عن بدء مرحلة جديدة لحل القضية السورية، مطية لعودة قوية لها في الملف السوري وعلى المستوى الإقليمي، فهل ستسمح لها أميركا بذلك؟ ناهيك عن حساسية الملف الأوكراني بالنسبة لروسيا والدور الهام الذي تلعبه أميركا في هذا الملف.

زد على ذلك، هل أدرك معاذ الخطيب معضلة تنظيم "الدولة الإسلامية" في سورية، لا سيما بعد التصريح الأميركي العلني بأن أميركا لديها مشكلة في وجود التنظيم بالعراق، لكن لا مشكلة لديها في وجود التنظيم داخل سورية، بل ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك من خلال تصريحات مسؤوليها أن واشنطن غير معنية بحل الأزمة في سورية، وعليه كيف يمكن إقناع أميركا بضرورة التحرك لحل الملف السوري.

وعلى الرغم من أنه حتى الآن لم يصدر أي تعقيب رسمي من نظام الأسد على دعوة الخطيب الأخيرة للحوار، لكن باعتقادي أن على الخطيب وغيره أن يكونوا على قناعة أن هذا النظام المجرم لا يهمه الحوار، بل يجد نفسه غير مضطر له، فلديه إيران وروسيا اللتان تمدانه على الدوام بشتى أنواع الدعم، حيث أصبح الأسد يضرب قوات المعارضة بالعناصر التي ترسلها إيران، والتي تمدها روسيا بالأسلحة، وهو ما يعزز الاعتقاد بأن الأسد لا تصلح معه سوى لغة النار، حيث سبق وأن أعلنت المعارضة مراراً وتكراراً استعدادها ورغبتها في التوصل إلى حل سياسي يخرج سورية من مستنقع الدماء، وها هو النظام أرسل إلى معاذ الخطيب رسالة بشكل غير مباشر على مدى استعداده للحوار، من خلال اعتقال المعارض السوري لؤي حسين، الذي كان نظام الأسد ينظر له على أنه من المعارضة المقبولة.

وعلى الجميع أن يدرك أن النظام الذي دعاه الخطيب للحوار، هو نفسه الذي نهب ثروات البلاد وجوع العباد، ورهن اقتصاد البلد لحلفائه ثمناً لإبقائه في الحكم، فهل نسي وفد المعارضة الذي زار موسكو، الهدية التي قدمها الأسد لروسيا بمنحه لشركة "سيوزنفتا غاز إيست" الروسية، عقود التنقيب عن البترول وإنتاجه في المياه الإقليمية السورية، ناهيك عن استغلال روسيا للاقتصاد السوري وشرائها من سندات الخزينة السورية.

ويُقدر للشيخ معاذ خشيته على وحدة التراب السوري، لكن حقيقة من غير المنصف أن يبرأ الخطيب نظام الأسد من تقسيم سورية، وقوله إن النظام يقاتل في المناطق التي يسيطر عليها وأن هذا دليل على عدم رغبته بالتقسيم، لكن الوقائع مخالفة لما يقوله الخطيب، وسكان حمص أكثر من يعون هذا الكلام، فالمدينة تعرضت وتتعرض بفعل سياسات نظام الأسد إلى سلخها عن بقية المدن السورية، ثم من الذي أدخل الميليشيات الشيعية والقوات الأجنبية لتقاتل المعارضة، وسمح لها باستباحة القرى والمنازل والتوطين، والغريب كلام الشيخ معاذ عن عدم رغبة النظام في التقسيم، وفي نفس الوقت يشير إلى أن النظام إذا وجد نفسه مضطراً سيلجأ إلى إقامة دولة خاصة به، أليس هذا تقسيماً؟.

أخيراً ما أود قوله إنه مع ضرورة الإدراك للدور الروسي في الملف السوري، لكن بالمقابل من غير المنطقي أن يكون الحل من خلال البوابة الروسية فقط، فشمس موسكو التي تحدث عنها الخطيب ليست بهذا الدفء، وهي التي حرقت وتحرق يومياً منازل المدنيين في سورية، وترسل شبابها بدعمها للأسد إلى القبور، كما أن الشعب السوري مل حقيقة ممن يدعي أنه يمثله بأكمله وبأطيافه وألوانه المتشعبة، وستثبت الأيام القادمة ما إذا كانت ستشرق الشمس من موسكو أم سيزداد الكسوف على الملف السوري.