هل قلتم مجلساً لأهل الحِلّ والعقد؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

06/ 07/ 2014
القدس العربي
المؤلف: 

ما نعيشه، هو في جزء أساسيّ منه، تمرّد مقولة «مجلس أهل الحِلّ والعقد» على قرن ونصف من محاولات تأصيل الفكرة البرلمانية الحديثة في ديار المسلمين استناداً لها، دون أن يعني ذلك عودة هذه المقولة الى موقعها في مصنّفات الفقه السياسي والسياسة الشرعية عند الماوردي والنووي وامام الحرمين. أبداً! فما نعيشه هو بالأحرى لحظة مزدوجة توضّب فيها أنماط طريفة من «مجالس أهل الحل والعقد»، أنماط تُعلن طلاقها في آن واحد مع كل من مدوّنات الفقه السياسيّ الوسيطيّ ومع الفكرة البرلمانية ونسقها الدستوريّ الحديث.

فقبل عام من تاريخه، وتحديداً مساء الثالث من تموز/ يوليو 2013، تقرّرت الإطاحة العسكرية بالرئيس المنتخب محمد مرسي وسط اتساع الموجة الجماهيرية المنتفضة في وجهه، ولم يتمّ ذلك بصدور قرار الاطاحة عن مجلس قيادة الأركان على الطريقة الانقلابية التركية المأثورة، ولا بتنظيم مؤتمر وطنيّ شعبي عام يعلن الإطاحة بالرئيس، على الطريقة التي يفترض أن تكون هي الأقرب الى النَفَس الثوري، وهي الطريقة التي اعتمدت مثلاً في لبنان عام 1952 لاسقاط الرئيس الاستقلالي بشارة الخوري. عوضاً عن ذلك، جرى اختيار شيء من قبيل التئام «مجلس حل وعقد من نمط جديد» جمع قائد الجند وشيخ الأزهر وبابا الأقباط وممثلي المعارضة والقضاة والتيار السلفي، للاستنجاد بفكرة «خلع» الحاكم، و»تولية» آخر. ما جرى حينها لم يكن شكلياً بالمعنى النافل. كان تلاعباً بـ»المفاتيح الرمزية» له تداعياته.

فالرئيس اخواني كان يستثمر في دائرة الالتباس بين مفهوم الشرعية في الفقه السياسي وبين مفهوم الشرعية في القانون الدستوريّ، غافلاً أنّ الشرعية هي في الحالتين، تماماً كما الإيمان في علم الكلام الأشعريّ، شرعية «تزيد وتنقص». في المقابل، لجأت «الرغبة الانقلابية» الى عملية ادغام لصورتين في وقت واحد: صورة «الوحدة الوطنية الاسلامية المسيحية» في مواجهة جحود الإخوان باندماج الأمّة المصرية، وصورة «اخراج الإخوان من الملّة» بتصوير ظاهرتهم كـ»دخيلة» على الإسلام المصريّ. اجتمعت الصورتان في هيئة لخلع أول – وآخر؟ – رئيس دولة منتخب بالاقتراع المباشر والانتخابات التنافسية في العالم العربي. الصورة المزدوجة هذه استوت بين «مجلس أهل حل وعقد» الذي اتّسع وقتها لبابا الأقباط، وبين ذكرى «الديوان» الذي شكّله الجنرال نابليون بونابرت لحكم القاهرة وقد أراده «مصفاة» لتسرّب فكرة «العقد الاجتماعي».

مجلس أهل الحِلّ والعقد هذا لم يحمل مباشرة هذا الإسم، ولم ينطق جهاراً بخلع مرسي ولا بتنحيته وانما «تجاوزه» الى تسمية رئيس مؤقّت.
في المقابل، بعد أقل من عام من تاريخه، سيعلمنا تنظيم «الدولة الاسلامية» الذي يسيطر على مناطق واسعة من سوريا والعراق أنّ مجلساً من أهل الحَلّ والعقد اجتمع واختار للمسلمين جميعاً خليفة عليهم بطاعته، دون أن يُعرَف بعد التسلسل الاستخلافيّ الذي يقرّ به الخليفة الحالي ويعتبر نفسه امتداداً له. هذا مع التنبيه الى ان، وقبل ابو بكر البغدادي الحين، سبق لأمير الدولة الاسلامية في العراق ابا عمر البغدادي ان اعلن خلافته عام 2007 قبل أن يردى قتيلاً عام 2010، ويومها أخذ الاعلان قسطه من الأخذ والرد بين الجماعات الجهادية، وان كان السياق مختلفا كثيراً بين خلافة يعلنها أبو عمر في لحظة تقهقر الجهاديين ابتداء من الموصل، وبين خلافة يعلنها أبو بكر البغدادي بعد تمدّد خطير في سوريا وفي العراق، شكّل فيه الاستيلاء على الموصل «صدمة رؤيوية».

في الحالة المصرية قام مجلس أهل حل وعقد من نمط هجين وتلفيقي بقصد خلع رئيس منتخب. في الحالة السورية – العراقية نحن أمام شبح «مجلس أهل حل وعقد» لا يعرف بخصوصه الفارق بين أهل الاختيار وبين أهل الإمامة وشروط أهلية كل منهما، لو شئنا الاستعانة بتقسيمات الماوردي في «الأحكام السلطانية».
في مصر، اجتمع مجلس الخلع، بلا ضبط «شرعي» لإسمه، فشاعت في الصحافة ثرثرة بليدة ذهنياً حول نهاية «الاسلام السياسي». ومن الموصل الى الرقة، أعلن عن مجلس يخلع كل حكام الأمصار الاسلامية في الأرض ويولّي خليفة وعرفنا الخليفة ولم نعلم المجلس.

بهذا وبذاك يبدو ان تاريخاً حداثياً اسلامياً صار وراءنا بما له وبما عليه، وهو التاريخ الذي اتسم بمحاولات التوفيق والتأليف بين الفكرة البرلمانية ومتنها الدستوري الحديث وبين فكرة مجلس الحل والعقد ومصادرها النصية والفقهية.
التاريخ الذي يكاد يكون وراءنا هو تاريخ التوفيق بين فكرة «الحل والعقد» التراثية وبين «البرلمانية الوطنية» و»المؤتمرية الاسلامية» كمحاكيين حديثين لها. هو تاريخ قد يكون أصدق ما يعبّر عن مفارقاته «بدعتان».
. الأولى، هي «بدعة» انشاء برلمان منتخب من كافة الملل والأقاليم في السلطنة العثمانية عام 1876، وفي ظلّ سلطان – عبد الحميد الثاني – كان يشدّد في الوقت نفسه على مقامه كخليفة، وهذه فرحة لم تتم اذ حلّ السلطان مجلس «المبعوثان» بعد ذلك بعامين، وجمّد العمل بالدستور لعقود طويلة الى ان قام انقلاب «تركيا الفتاة».

أما البدعة الثانية، فهي لم تدم لأكثر من عامين، وتمثّلت بقيام مصطفى كمال بالغاء السلطنة وابقاء الخلافة عام 1922 شرط انتخاب الخليفة من البرلمان أو الجمعية الوطنية باعتبارها «مستودعاً سلطانيا» للارادة الشعبية ومناطاً للحلّ والعقد، فكان عبد المجيد الثاني أول خليفة عثماني غير سلطان، ودام هذا الترتيب لعامين، الى ان نقضه مصطفى كمال بالغاء الخلافة كلياً في آذار 1924، بحيث انتهى الخليفة المخلوع الى المنفى الباريسي.
في حالتي 1876 و1922 كنا أمام «تلبيسين» للفكرة البرلمانية بفكرة «الحل والعقد»، انما في سياقين مختلفين. المشترك بينهما انهما لم يدوما. عامان فقط لكل منهما.

في الحالة الأولى، برلمان ينتخب في ظل خليفة، فيحلّه الخليفة حين لا يرى فيه ظلاً له. وفي الحالة الثاني برلمان ينتخب «خليفة ظل»، ثم يعود السلطان الجمهوري مصطفى كمال فيبطل هذه الخلافة التي سبق ان اوجدها، حين يشتبه فيها أنها لا تريد أن تبقى مطوّلاً في الظل، ليفتح من ثمّ أزمة الخلافة على مصراعيها، لا سيما في مصر الذي تحرّك أزهرها لعقد مؤتمر اسلامي، مثّل على طريقته التئاماً عابراً للأوطان لمجلس أهل الحل والعقد، وان فشل في تسمية خليفة، وخرجت من رحم هذا الفشل الطروحات الاخوانية بدءاً من الكتابات المتأخرة للشيخ محمد رشيد رضا، وقبل التجربة التنظيمية للامام حسن البنا.

ما بين عبد الحميد الثاني ومصطفى كمال لم يمكّن الواقع التاريخي مقولة «مجلس أهل الحل والعقد» من التوفيق بين الخلافة وبين الدستور والبرلمان. لكن هذه المقولة استمرّت كأفق لأي مسعى توفيقي بين التراث والحداثة، وبين الديموقراطية والشورى، وغير ذلك من الثنائيات التي سال حولها حبر كثير. كان هذا قبل أن يعلن عبد الفتاح السيسي وابو بكر البغدادي «اختتام العلم» على طريقتيهما.