هل يخرج إحسان أوغلو المعارضة من ورطتها؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

25/ 06/ 2014
الشرق الأوسط
المؤلف: 

ما إن أعلن كمال كيليشدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي العلماني المنفتح على مشروع تركيا الغربية الأوروبية والمعارض للوجهة الشرقية والشرق أوسطية، أن أكمل الدين إحسان أوغلو اليميني المحافظ والعربي الميول والهوى خريج الأزهر وابن أحد أبرز رموز المفكرين الإسلاميين المدافعين عن الخلافة العثمانية، هو مرشح المعارضة لانتخابات الرئاسة التركية، حتى فجر نقاشا سياسيا وإعلاميا وشعبيا واسعا داخل تركيا وخارجها.

حسبناها للوهلة الأولى خطوة على طريق المصالحة التاريخية بين العلمانيين الأتراك وتاريخهم الإسلامي والشرق أوسطي، الذي تنكروا له وقطعوا العلاقات به منذ عقود، لكن عندما بدأت قيادات المعارضة تشيد بعلمانية وأتاتوركية إحسان أوغلو وانفتاحه على الغرب والأديان والحضارات والثقافات، اتضحت الفكرة أكثر فأكثر: الهدف الأول بالنسبة للمعارضة التي اختارته هو لعب ورقته بوصفها فرصة سياسية انتخابية لإضعاف «العدالة والتنمية» وقطع الطريق على إردوغان في خطة الوصول إلى قصر الرئاسة في «شنقايا»، قبل أن تكون خطوة انفتاحية باتجاه تكريس عملية التغيير في ذهنية وأسلوب وهوية خصوم إردوغان ومنافسيه.

المعارضة التركية الجريحة المفككة الضعيفة بعد هزيمة آخر مارس (آذار) الماضي في الانتخابات المحلية، تريد إقناع قواعدها بأن خطة توحيد الصفوف بين اليسار واليمين تتقدم بنجاح، وأنه بعد تجربة مرشح العاصمة منصور يواش الذي كاد ينجز المهمة، لا بد من المضي وراء هذا الخيار الذي لا بديل عنه للإطاحة بإردوغان وحزبه.
هي تريد المحاولة مع إحسان أوغلو هذه المرة، وكما يبدو، فإذا استطاعت ذلك، فستكون قد حققت الانتصار السياسي الأول الذي تريده، أما إذا تعثر المشروع، فإنها تكون قد رسخت مساحة التعاون استعدادا لمعركة الانتخابات البرلمانية المرتقبة في مطلع الصيف المقبل.

المعارضة التي تطارد حلم العودة إلى السلطة منذ سنوات طويلة تريد من إحسان أوغلو أن يساعدها على الخروج من هذه الأزمة، فهل يفك عقدتها ويحقق لها ما تريد؟
ومن الذي سيخسر أمام إردوغان وحزبه ويدفع الثمن؛ إحسان أوغلو أم قيادات المعارضة نفسها التي رسمت خطة تحرك انتحارية أغضبت الأجنحة المتشددة التي بدأت تهدد المشروع بالفشل قبل انطلاقه؟
مشكلة القيادات السياسية والحزبية في «الشعب الجمهوري» و«الحركة القومية التركية» أنها تصر على التلاعب بميول وخيارات الملايين في محاولة لإنقاذ نفسها ومواقفها، وأن تسجل انتصارا أمام محازبيها، حتى ولو كان الثمن الابتعاد عن الولاء والالتزامات وإحراق أوراق إحسان أوغلو الذي سيتنبه حتما إلى ذلك قبل الدخول في مغامرة من هذا النوع، حتى لا يهدد ما بناه في عقود من نجاح أكاديمي ومهني ومنظومة علاقات واسعة يملكها في العالم.
أقل من 50 يوما تفصلنا عن موعد الانتخابات الرئاسية في تركيا، و«العدالة والتنمية» لم يعلن بعد اسم مرشحه الذي سيخوض من خلاله المعركة.. لا برامج.. لا حملات.. لا حماس أو حراك سياسيا وشعبيا.. لا أجواء انتخابية.

كل طرف متحصن في مكانه.. الأصوات والأرقام والنسب شبه معروفة. التحاصص هذه المرة أيضا يبدو أنه لن يتغير. الحل والربط بيد رجب طيب إردوغان، فلماذا قبل أكمل الدين إحسان أوغلو الدخول على خط محاولة قلب المعادلات رأسا على عقب؟
الأصوات المتشددة في اليمين واليسار القومي والعلماني ستطارده عن قرب وتتمسك بأول غلطة يرتكبها في مهرجاناته الخطابية ورسائله الانتخابية. أكراد تركيا رفضوا دعمه في الدورة الأولى وقرروا المشاركة بمرشحهم المستقل. لكن مهمته الأصعب ستكون في الجولة الثانية في حال فشل مرشح «العدالة» في الحصول على أكثر من نصف أصوات الناخبين خصوصا عندما يطالبه كيليشدار أوغلو ودولت بهشلي بالجلوس والمساومة مع القيادات الكردية حول ما سيقدمه لهم وهم الذين يرددون أنهم لن يرضوا بأقل مما حصلوا عليه من إنجازات في الشارع والجبال والاعتراف الرسمي بعبد الله أوجلان محاورا أول في الملف الكردي.

إحسان أوغلو يدرك جيدا أن البعض أراد تحويله منذ الآن إلى قنبلة موقوتة جاهزة للانفجار في وجه آخرين، وأن المعارضة أرادت أن تسحب من إردوغان ورقة اتهامها الدائم بالانغلاق والتشدد والتصلب في المواقف والسياسات، وهي، ربما، لهذا السبب طرحت اسمه خيارا بديلا. المعارضة باختيار إحسان أوغلو أرادت الالتقاء حول اسم يتحرك ويناور نيابة عنها في الحديقة الخلفية لإردوغان. ثم أرادت أيضا إبراز قناعتها بالانفتاح والتغيير، لكنها لن تتأخر في تحميل إحسان أوغلو وحده مسؤولية الفشل في الانتخابات، وإعلانها الانتصار إذا ما تحققت المفاجأة.

المعارضة ستحاول تحطيم احتكار «العدالة والتنمية» للسلطة، مستفيدة من كل الفرص والوسائل التي تملكها، وهي لذلك اختارت شخصية تتحرك داخل المربع الاجتماعي الفكري والثقافي لإردوغان وحزبه، رافضة رفع الراية البيضاء والاستسلام.
هي محاولة لتهديد الملك على رقعة الشطرنج الواسعة في المواجهة مع «العدالة والتنمية».. استهداف مباشر لقلب الداخل المحصن لبيئة «العدالة والتنمية» ومن قبل شخصية محسوبة على هذا الفريق وتعرف نقاط قوته وضعفه بعد عقد كامل من التعاون والتنسيق. لكن هذا لا يعني إطلاقا أن مهمة إقناع الناخب اليساري العلماني والأتاتوركي بالذهاب إلى صناديق الاقتراع للتصويت لإحسان أوغلو الذي قاد أهم منظمة إسلامية حتى الأمس القريب، ستكون سهلة.

مهمة إحسان أوغلو لربما كانت أسهل وبكثير لو دخل المنافسة من خلال النظام الانتخابي السابق حيث يختار البرلمان الرئيس، فهو حتى ولو فشل هناك لكانت ارتدادات الخسارة محدودة جدا، لكنه يعرف حجم المغامرة والخسارة هذه المرة، لأنه سيذهب إلى الناخب التركي مباشرة يدعوه للتصويت والتأييد والدعم لشخصية لا يعرف الكثير عنها.. ولدت وعاشت وكبرت ودرست في مصر، وفي الأزهر تحديدا الذي لم يعترف به صقور العلمانية التركية حتى الأمس القريب، ورفضوا المصادقة على شهاداته.
أول استطلاع للرأي قد يسعده ويساعدنا على قراءة المشهد والحظوظ والفرص.. لكن هذا لا يمنع ازدياد عدد الأصوات التي بدأت تتفاعل وتكبر مثل كرة الثلج في صفوف «الشعب الجمهوري»، وتقترح مرشحا بديلا بهوية يسارية علمانية هذه المرة.
الواضح حتى الساعة أن القوة السياسية الوحيدة القادرة على إقصاء «العدالة والتنمية» هي ظهور معارضة «العدالة والتنمية» نفسه بسبب تضارب المواقف والحسابات السياسية الضيقة بين صقور الحزب وحمائمه، إذا ما قرر إردوغان الانتقال إلى قصر الرئاسة. ولا حظوظ أخرى لأي لاعب سياسي غير الرهان على ذلك والانتظار.