هل يريد أوباما تقسيم سورية؟

صورة مايكل ويس

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

27/2/2016
The Daily Beast
المؤلف: 

(ترجمة السورية نت)

قبل عقد من الزمن، أراد نائب الرئيس الأميركي الحالي تقسيم العراق كحل سياسي للحرب الأهلية التي انتهت عسكرياً. الآن يعتقد وزير الخارجية الحالي أن التقسيم قد يكون المسار الوحيد القابل للتطبيق المتبقي في سورية إذا أو عندما يفشل وقف إطلاق النار الذي توسط فيه.

احتمالات مثل هذا الفشل مرتفعة، كما يعترف جون كيري، لأن الاتفاق برمته قد يكون مدبراً من قبل بشار الأسد وفلاديمير بوتين وآية الله علي خامنئي بهدف التهام المزيد من الأراضي وتدمير ما هو أكثر من فكرة المعارضة السورية تحت ستار الالتزام بالدبلوماسية الدولية.

في شهادته يوم الثلاثاء أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، قال الوزير: "أنا لن أكفل هذا. ولن أقول بأن العملية ستنجح، لأنني لا أعرف. ولكن أنا أعلم أن هذه أفضل وسيلة لمحاولة إنهاء الحرب، وأنها البديل الوحيد المتاح لنا إذا كنا سنحصل بالفعل على تسوية سياسية".

هذا بناء لفظي مثير للاهتمام وللتحليل ليس فقط لأن واحد من مهندسي خطة السلام الطموحة للغاية يعترف أمام الكونغرس أنه ليس لديه نية "ليكفل" هندسته الخاصة. وليس فقط لأن الناس كانوا يجلسون إلى الطاولات لمدة خمس سنوات في محاولة للتوصل إلى تفاهم حول مصير سورية.

وحتى الآن كانت عائدات الجلوس إلى الطاولات هي 470,000 قتيل وعشرات الآلاف من المحبوسين في سجون التعذيب وتشريد نصف عدد السكان داخلياً أو خارجياً ونص مليون من هذه الفئة الأخيرة يعيشون كلاجئين في أوروبا، حيث تزدهر الآن أحزاب اليمين المتطرف المعادية للإسلام والمتراصفة أو المعتمدة على الكرملين، مما يبعث البهجة في قلوب وكلاء موسكو.

لا، ما جعل هذه الشهادة مميزة هو أنها المرة الأولى التي يعترف فيها كيري بواقع الكارثة التي تمت معالجتها حتى الآن كما لو كانت موضوع ندوة أكاديمية.

"سورية"، لم تعد موجودة، إذا تحدثنا بشكل صحيح، فالدولة القومية التي تشكلت قبل مائة سنة من قبل القوى العظمى، والتي مازالت حدوها يعاد تنظيمها دورياً منذ ذلك الحين، قد تضررت بشكل خطير وستبقى من الآن فصاعداً مجموعة مقسمة إلى كانتونات أو إقطاعات يحكمها مجموعة كاملة من حركات الثورة المتناحرة والوكلاء والمنظمات الإرهابية – بعض العناصر، بما في ذلك العنصر الذي يقيم في القصر الرئاسي في دمشق، تحمل التعاريف الثلاثة. ومن غير المهم حقاً إذا وضعت كل مقاتلة سوخوي وكل صاروخ سكود وكل برميل متفجر جانباً يوم السبت، عندما يبدأ تنفيذ الهدنة.

وأقول ذلك لأن أفضل سيناريو لمحاولة كيري الأخيرة، ووصفة "لا تلزمني بهذا الآن" لإنهاء المحرقة الحديثة والمتحولة عالمياً تعني أن الحرب ما تزال مستمرة في الواقع، فقط ضد الأهداف "الصحيحة" وهي القاعدة وداعش. هاتان المنظمتان التي اسمتهما الأمم المتحدة كمنظمات إرهابية ليستا طرفين في وقف إطلاق النار ولا يتوقع التزامهما به. مكرهم لحمل الآخرين على انتهاك شروط الاتفاق هائل، حيث تتباهى كلا المجموعتين بتنظيم معركة معاً أكبر مما يستطيع حشده الجيش العربي السوري.

وحسبما يفسرها أندرو تابلر، المتخصص السوري في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، فإن المعضلة المركزية تساعد على تقدير ما يشكل نجاح برنامج كيري الوهمي.

"هل المقياس هو موت عدد أقل من الناس أم المقياس هو زيادة عدد الناس الذين يقاتلون الإرهاب؟" إذا كان المقياس هو الأخير، إذاً كيف يمكن تحقيق ذلك عندما تعتقد كل وكالة أمنية للسلطة التنفيذية أن روسيا لن توقف قصف المعارضة المناهضة للأسد طالما أنها تستطيع الادعاء بضرب الإرهابيين فقط، وهي كذبة الكرملين الدائمة منذ 30 أيلول، عندما بدأت القصف؟

نعم، القوات الجوية الروسية تلاحق توابع أبو بكر البغدادي في بعض المناسبات، كلما تجرؤوا على اعتراض تقدمات النظام المحرض من قبل روسيا وإيران ضد جماعات الثوار الأخرى، كما يفعلون حالياً في حلب. ومع ذلك، وعلى العموم، فإن حرب بوتين الجوية، كما استنتج التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الآن، قد سمحت لداعش بالحصول على أرضٍ قد منعت المعارضة من الحصول عليها سابقاً. وأفضل ما فعلته الولايات المتحدة عن طريق الردع هو وقف إطلاق النار الذي تعتقد الولايات المتحدة أنه فشل.

ثم هناك شروط الهدنة، حيث لدى الجيش السوري الحر المدعوم من الولايات المتحدة خيارين بالضبط في الحدث المرجح حدوثه إذا قررت أي من الجهات العديدة مهاجمته. إما أن يتحلى بالصبر، أو يلتقط أسلحته ويبدأ في إطلاق النار مجدداً، وفي كلا الحالتين يخاطر بالتعرض للقصف من قبل ..... الولايات المتحدة. هل يمكن حدوث هذا حقاً. وفقاً لهادي البحرة، الرئيس السابق لائتلاف المعارضة السورية، فقد وضح كيري عواقب عدم الالتزام: "نحن واضحون، إن لم تختر أن تكون جزءاً من وقف إطلاق النار فأنت ربما تختار أن تجعل من نفسك هدفاً".

إذا كان احتمال شن الولايات المتحدة لغارات جوية ضد أصولها الخاصة يبدو كأنه سياسة خارجية لإيتشر وكورت غودل، علينا إذاً أن نأخذ بعين الاعتبار ما حدث قبل أسبوع فقط من تعيين موعد تنفيذ وقف إطلاق النار.

كما ذكر مايك جيجليو في بزفيد هذا الأسبوع، كتيبة فرقة السلطان مراد المرتبطة بالجيش السوري الحر، وهو فصيل مناهض للأسد تلقى مؤخراً أسلحة من وكالة الاستخبارات المركزية بهدف محاربة النظام، وتعرض مؤخراً لهجوم من قبل وحدات الدفاع الشعبي، وهي الميليشيا الكردية التي تمثل القوة البرية الرئيسية للبنتاغون في ملاحقة داعش. وقد تم اتهام وحدات الدفاع الشعبي من قبل وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند بالتنسيق ليس فقط مع الائتلاف ولكن مع روسيا والأسد.

لماذا؟ لأنه بصرف النظر عن رؤية كل الثوار العرب السنة على أنهم ليسوا أكثر من رفاق أو قطع من الجهاديين، فإن الأكراد بالكاد يخفون دوافع خفية: إنشاء دولتهم أو المنطقة ذاتية الحكم الممتدة عبر شمال سورية من حلب إلى محافظة الحسكة، بما في ذلك العديد من القرى والبلدات ذات الأغلبية العربية. ويقف غير الأكراد المسلحون الذين يشعرون عكس ذلك في طريق هذا المشروع ولذلك يجب أن يتم نزع سلاحهم وإرجاعهم وطردهم أو القضاء عليهم.

التنافسية الطائفية التي تبدو ظاهرياً نفس الحملة العسكرية الواسعة ضد داعش لها آثار قاضية، وتزيد فقط من قوة العدو. في وقت سابق من هذا الأسبوع، كان العديد في حيرة من انسحاب داعش المتسرع من الشدادي، موطئ قدمها الوحيدة في محافظة الحسكة. حيث سارت وحدات الدفاع الشعبية في سهولة وحررت المدينة. ولكن بعد تراجع الجهاديين التكتيكي سرعان ما تبعه انتصار سياسي اجتماعي مع فرار 30,000 من العرب السنة ليس إلا تركيا أو حلب ولكن إلى دولة الخلافة في دير الزور، واحدة من أولى بقع داعش، خوفاً من الاعتقال والقتل والثأر والتطهير العرقي.

يسير إخضاع الأكراد لبوابة شمال سورية الحدودية تحت مظلة منيعة من طائرات F-18 الأمريكية من الجو وقوة دلتا فورس من الكوماندوز على الأرض. ومع ذلك ينتج عنه الآن في الحقيقة نقل سكاني من دون إزعاج أو صداع من اعتراف الولايات المتحدة الشرعي.

تغيير التركيبة السكانية في أي بلد هو الشرط الضروري المسبق للتقسيم، إن لم يكن الكافي تماماً. إذاً لوضع كل ما سبق في صيغة أخرى يمكن أن نقول إن خطة البيت الأبيض B بالنسبة لسورية هو بالفعل خطتها A. والسؤال الوحيد هو ما إذا كان هذا عن طريق الصدفة أو عن تصميم.

ويقول كريس هارمر، المحلل العسكري في معهد دراسات الحرب، أن هذا التقسيم هو نتيجة غير مقصودة لصنع السياسية الأمريكية المتعجرفة والارتجالية، التي كانت دائماً "رد فعل" على الأزمة التي تتطلب التدبر والتخطيط على المدى الطويل.

"لقد كان هناك الكثير من الحيوية، وربما أقول دبلوماسية مفرطة، ولكن ليس هناك مصداقية دبلوماسية لما تفعله الحكومة الأمريكية. الروس لديهم مصداقية عسكرية أكثر، بحيث يصبح لديهم المزيد من المصداقية الدبلوماسية مع عملائهم – إيران وحزب الله تستمع لما تقوله موسكو. الولايات المتحدة لا تستطيع حتى تقوية وكلائها. وهذا الجزء الأقل صعوبة من هذه المعادلة". حسبما أخبرني هارمر.

توني بدران من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات هو واحد من محللي سورية القليلين والذي جادل بأنه ليس من العدل انكار أن إدارة أوباما قد تصرفت بشكل غير وافٍ على مدى السنوات الخمس الماضية، مع تحول حركة الاحتجاج تدريجياً إلى ثورة مسلحة وبعد ذلك تسلل الجهاديين بشكل متزايد. الحصيلة الإنسانية وانهيار الأمن الدولي هما العواقب المؤسفة وغير المقصودة لسياسة لم تتغير كانت من المفترض دائماً أن تتوج بإعادة ميزان القوى الإقليمية التي هي الآن أمر واقع في منطقة الشرق الأوسط، حسبما يقول بدران.

"وجهة نظر أوباما لأي نهاية للعبة السورية اعترفت دائماً بمحمية إيرانية متجاورة مع لبنان. وأطلق مصطلح’ احترام عدالة إيران’. وفيما هو أبعد من ذلك، فقالبه لسورية هو في جوهره نسخة طبق الأصل من القالب الذي قدمه في العراق: منطقة إيرانية تعترف بها الولايات المتحدة، وتتعاون مع المنطقة الكردية المدعومة من الولايات المتحدة وإيران (في حالة سورية، هذه المنطقة معادية تماماً لتركيا على عكس العراق)، والمنطقة الثالثة هي منطقة قتل العرب السنة الواقعة بين المنطقتين.

قضية بدران معززة بأدلة ظرفية كثيرة – مثل الفشل في التمسك "بخط أوباما الأحمر" على استخدام الأسلحة الكيميائية من قبل النظام، والتسليح الفقير والمتقطع لوحدات الجيش السوري الحر، والرضوخ لمحاولة روسيا إبادة وكلاء الولايات المتحدة السابقين جوياً، والتخلي عن "وجوب رحيل الأسد" كشرط مسبق لحكومة انتقالية سياسية تفاوضية في دمشق. ولكن ربما يكون أقوى تأكيد على أطروحة بدران هو تفصيل جوهرها في التفاصيل الدقيقة كبرنامج "سلام" قابل للتطبيق من قبل عضو مؤثر سابق من إدارة أوباما، وواحد من عدد قليل من الأعضاء السابقين الذين انتقدوا الرئيس لعدم تكريس نفسه لاستيعاب الأسهم الروسية والإيرانية.

في كانون الأول عام 2015، ساعد فيل غوردون، الذي كان حتى وقت قريب منسق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومنطقة الخليج، في تحديد الخطوط العريضة لاستراتيجية الولايات المتحدة لتدوين هذه الحقائق الجديدة على الأرض في ورقة بيضاء لمؤسسة راند.

 كما هو الحال مع هدنة كيري، وشملت المرحلة الأولى وقف إطلاق نار متعدد الأطراف ويشرف عليه ويتم تنفيذه أساساً من قبل الولايات المتحدة وروسيا وإيران. وستكون المرحلة الثانية إقامة "مناطق متفق عليها"، وهي طريقة مهذبة لوصف مجالات النفوذ الاستعمارية أو الولايات الصغيرة، بهدف حكم سورية. ستكون ثلاثة من هذه المناطق متجاورة، بينما ستكون واحدة منها مثل غزة والضفة الغربية في الدولة الفلسطينية النظرية – معزولة عن بعضها البعض عبر خطوط الطول بعد دمجها بطريقة أو بأخرى سياسياً.

وهناك منطقة سيادة النظام، فقد اقترح جوردون وشريكيه في الكتابة جيمس دوبينز وجيفري مارتيني، أن تقع هذه المنطقة على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، من الحدود الجنوبية لتركيا على طول الطريق من خلال دمشق وحمص. والمنطقة الكردية ستشمل منطقة كردستان روجافا السورية الصاعدة. ومنطقة المعارضة السورية الرئيسية، التي تتخللها منطقة جبهة النصرة التابعة للقاعدة فضلاً عن غيرها من الفصائل السلفية الجهادية المشكوك فيها مثل أحرار الشام، حيث ستكون منطقة المعارضة غير متجاورة، فالمنطقة الأولى ستكون إدلب وحلب، ومحافظات حماة في شمال ووسط سورية، والثانية في درعا في الجنوب. وستكون المنطقة الرابعة والأخيرة هي منطقة داعش، وهي أرض واسعة مسطحة جغرافياً، وفي الغالب صحراء مهجورة، بالإضافة إلى مدن مثل دير الزور والرقة وتدمر.

المنطقة الرابعة يجب أن تدار دولياً بما أن داعش تطرد منها بشكل ثابت من قبل القوى المسؤولة عن تشغيل المناطق الثلاث السابقة. وإذا جاء وقت الحسم، الذي سيأتي حتماً، يمكن عندها إحضار الحاميات الأجنبية للحفاظ على السلام. القوات الأمريكية إلى كردستان، والقوات التركية والأردنية إلى المناطق السنية غير المتجاورة، والقوات الروسية إلى علوستان.

"ستسقط لصالح القوى الخارجية، التي تدعم حالياً أحد الفصائل أو غيرها، لضمان الالتزام بوقف إطلاق النار. وهكذا، تضمن روسيا وإيران التزام النظام. وتضمن الولايات المتحدة التزام الأكراد. وتضمن تركيا والأردن التزام المعارضة السنية. وستتعاون كل الأطراف الخارجية لطرد داعش"، حسبما كتب جوردون ودوبينز ومارتيني.

هذا عمل جيد إن تم القيام به. وتوصف خطة السلام هذه بأنها أقل الخيارات سوءاً بالنسبة لدولة ليس لديها أي خيار جيد. ومن الصعب معرفة إن كان باراك أوباما، في بقية السنة المتبقية من ولايته، سيرسل قوات حفظ السلام تحت أي ذريعة إلى جزء من العالم يريد الخروج منه والذي هو محط أنظار ليس واحد فقط بل عدد لا يحصى من الصراعات الجانبية.

ومع ذلك، فإن الرئيس الذي أصدر مرة مرسوم "أفكار نصف مكتملة كما لو كانت حلول" قد يورث بعد ذلك شيئاً يقترب كثيراً من اتفاق دايتون لخليفته.

تعليقات