هل يعيد التاريخ نفسه للمطالبة بتوحيد الدويلات السورية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

20/2/2015
السورية نت
المؤلف: 

قبل قرابة قرن من الزمن وتحديداً أثناء احتلال الفرنسي لسوريا عام 1920م، أقدم الفرنسيون على تقسيم سوريا إلى خمس دويلات (دولة حلب - دولة دمشق - دولة العلويين - دولة الدروز - دولة لبنان الكبير)، حينها وقف الشعب السوري بمختلف مكوناته ضد هذا الإجراء واعتبره تقسيماً وتفتيتاً متعمداً لنسيج المجتمع السوري دون مبرر، ويخفي وراءه أجندات استعمارية غير واضحة المعالم، فقام الشعب بعدها بعدة ثورات من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب رافعاً شعاراً واحداً بطرد المستعمر الفرنسي من سورية وتوحيد سورية في دولة واحدة مبنية على أسس العدالة والمساواة والمواطنة والديمقراطية. وفعلاً تحقق جلاء الفرنسيين عن سورية عام 1946م، وتنفس الشعب الصعداء وتأسست دولة وطنية موحدة وديمقراطية بكل المعايير، وتنافست الحركة السياسية السورية بشكل حضاري وفق معيار وطني بعيداً عن الحالة القومية أو الدينية، وتم تشكيل برلمان ديمقراطي وطني يشمل كافة أطياف المجتمع السوري، لكن الانقلابات العسكرية المتتالية منذ عام 1949م، والأفكار العروبية المستوردة أجهضت التجربة الفتية في مهدها، ثم دُمرت الحياة السياسية نهائياً بانقلاب حزب البعث عام 1963م، بعدها تحولت سورية إلى نظام شمولي ذي حزب واحد، ثم دكتاتوري ثم إلى دولة أمنية بامتياز بعد عام 1980م، عندها اختفت معالم الدولة نهائياً واندمجت الدولة مع السلطة وتعددت الأجهزة الأمنية وتفرخت ولم تعد تُعرف أسماؤها. تحول حزب البعث والأحزاب الموالية له إلى دمى ينفذون أوامر تلك الأجهزة لا أكثر، فزاد الاحتقان الشعبي تدريجياً بشكل لم يسبق له مثيل في كل المحافظات السورية، فكانت حادثة نزع أظافر الأطفال في درعا من قبل أحد الأجهزة الأمنية بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير، حيث عمت الثورة في فترة قياسية معظم المدن والبلدات وحتى القرى السورية من شمالها إلى جنوبها رافعين شعاراً واحداً (الشعب السوري واحد)، ومطالبين بالمساواة والعدالة والعيش الكريم والديمقراطية ومحاربة الفساد، رافعين العلم الوطني السوري فقط، وكأن التاريخ يعيد نفسه بذات الشعارات بعد 70 عاماً.

إلا أن عوامل كثيرة داخلية وخارجية لسنا بصدد ذكرها اليوم حالت دون إنجاز الثورة لمهامها، فاختفت تلك الشعارات ليحل محلها أعلام متعددة وشعارات متباينة غلب عليها الطابع الديني، خاصة بعد أن وقف المجتمع الدولي متفرجاً على قصف طيران النظام بالصواريخ والبراميل المتفجرة للمواطنين العزل، ثم توسعت دائرة العنف بشكل مخيف وانحرفت الثورة عن مسارها بتخطيط ممنهج ومدروس من قبل جهات إقليمية ودولية لها مصالحها في ذلك، وخرجت من أيدي أصحابها الحقيقيين وتعددت الأقطاب ومليشيات الحرب وأمراؤها، ولكل رايته وشعاره الخاص به، رافق كل ذلك تمزق للخارطة السورية بشكل جنوني ومبعثر اجتاز بعضها الحدود السورية الجغرافية كدويلة داعش من جهة الشرق ودويلة القاعدة (جبهة النصرة) من جهة الغرب وريف إدلب وحماة، وشكل حزب الاتحاد الديمقراطي ثلاثة كانتونات في المناطق الكردية (عفرين وكوباني) والمناطق المشتركة (الجزيرة) بالتداخل مع النظام وداعش والمليشيات الشيعية الإيرانية الحديثة النشوء هناك، كما أن جيش الإسلام شكل كانتونه في غوطة دمشق وغرب اللاذقية، والجبهة الشامية في نصف مدينة حلب وشمالها، وحزب الله في دمشق الجنوبية وغرب حمص وبشكل متداخل مع كانتون النظام في الساحل ودمشق المدينة وبعض مراكز المدن في المحافظات الأخرى، ولم يبق للجيش الحر إلا قسم من درعا وريفها وبؤر صغيرة في محافظة حلب وحماة، والصراع محتدم بين الجميع لتوسيع رقعة خارطة دويلته، كما يجب أن لا ننسى نتوآت أحرار الشام وأنصار الإسلام ولكل واحد من هؤلاء سياسته وفلسفته وأسلوبه ودستوره وقوانينه في الحكم من العلمانية المفرطة كحزب الاتحاد الديمقراطي إلى الدينية المتطرفة كداعش والقاعدة، واستقطب أمراء هذه الدويلات المقاتلين من كل أصقاع المعمورة بحيث ينطبق عليهم قول الشاعرالمتنبي في وصف جيش الحمداني:

تجمع فيه كل لسن وأمة    فما تفهم الحداث إلا التراجم

رافق كل ذلك تدمير رهيب لنسيج المجتمع السوري المترابط اجتماعياً واقتصادياً والمتشكل منذ مئات السنين، فلم يعد ممكناً للمواطن السوري الانتقال من دويلة إلى أخرى إلا بصعوبة فائقة، عبر المرور على عشرات الحواجز المتباينة، وهذا في حال أسعفه الحظ وانطبقت عليه شروط المرور للوصول إلى مكانه المقرر بسلام. بالتالي لم يبق أمامه سوى الهروب من الوطن والواقع والبحث عن الأمان ولقمة العيش في المجهول وفي أي مكان يحط رحاله فيه.

إزاء هذه اللوحة التراجيدية السورية وما آلت إليه الأوضاع على الأرض من تمزيق للجغرافيا والمفاهيم والعادات والعلاقات الاجتماعية مقابل خلق عداوات مناطقية ومذهبية وعرقية لا مثيل لها في تاريخ المنطقة، يتساءل المرء كيف الخروج من هذا المأزق وهذه المعمعة؟ ومن الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه غير هذا النظام الإيراني ودميته القابعة في أقبيته المحصنة في دمشق؟ وهل آن الأوان للشعب السوري أن يتفق على شعار واحد وهو طرد الاستعمار الإيراني من سورية وكل ملحقاته من داعش وأخواتها وتوحيد (الدويلات) السورية كما طالب أجدادنا قبل قرن من الزمن بوحدة سورية وطرد المستعمر الفرنسي، وأن يضاف إلى شعار الثورة الأساسي (الحرية والكرامة والمساواة)؟ والسؤال الأكبر هل نستطيع ذلك؟؟.