هل يكون الملف السوري مفتاح التقارب الروسي التركي؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

23/6/2016
السورية نت
المؤلف: 

على الرغم من حالة الاستقطاب التي صبغت المشهد العام في تركيا إبان حقبة رئيس الوزراء السابق احمد داود اوغلو، وتجاذبه مع مقام الرئاسة حول إدارة عدد من الملفات، ما أوحى أن البلاد ذاهبة إلى اشتباك سياسي عميق قد يهدد استقرارها السياسي ونموها الاقتصادي، إلا أن السلاسة التي وصفت بها عملية تمرير السلطة، وتسليمها إلى خلف داود أوغلو (يلدريم) كشفت ان الخلاف بين رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية كان مجرد مظهر لتغيير حقيقي وجوهري كانت تركيا تتحضر له وبحاجة لمن يقوده، وإن كلف الأمر التضحية بواحد من أبرز رموز حزب العدالة والتنمية ومنظريه التاريخيين (أحمد داود أوغلو).

رغم الشعبية الجارفة للرجلين في الشارع التركي وتلقيب أردوغان بـ"القائد" وأوغلو بـ "الأستاذ" ضمن كوادر حزب العدالة والتنمية، إلا أن التوتر تصاعد بين الرجلين في أعقاب تشكيل الأخير للحكومة الرابعة والستين عقب الفوز بانتخابات الإعادة عام 2015.

اختلاف الرجلين لم يكن يوماً حول الرؤى والأفكار والاستراتيجيات بقدر ما كان يتعلق بآلية اتخاذ القرار ومرجعيته في كل من الحزب الحاكم والحكومة، كما يرى ذلك بعض المقربين من حزب العدالة والتنمية، في محاولة للتخفيف من وقع الخلافات التي انفجرت أخيراً مع دعوة رئيس الحكومة التركية "السابق" أحمد داود أوغلو لمؤتمر استثنائي لحزبه في الثاني والعشرين من شهر مايو/ أيار الماضي.

وعلى الرغم من الخروج السلس والانتقال السهل للسلطة، الذي نجح فيه حزب العدالة والتنمية عبر تمرير زمام الأمور من داود أوغلو إلى خليفته بن علي يلدريم، إلا أن التحديات السياسية والاستراتيجية التي تنتظر الرجل، ربما لن يكون عليه من السهل مواجهتها ما لم يتحول من رجل "يحكم" تركيا إلى آخر يقود "السلطة التنفيذية" في البلاد، كما يراهن على ذلك حزب العدالة والتنمية والرئيس أرودغان.

يتضح من تصريحات رئيس الحكومة التركية الجديدة تبنيه الكامل لرؤية الرئاسة التركية ومشروع الرئيس أردوغان لتركيا عام 2023 وكان أول تعهد قام به رئيس الوزراء الجديد نقل البلاد من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي أمام رئيس الجمهورية بعد نيله ثقة البرلمان.

التطابق بين رؤيتي رئيس الوزراء ورئيس البلاد في المرحلة الحالية، يعتبره كثير من المراقبين ضرورة ملحة في ظل تعاظم هذه التحديات، وهو ما عبر عنه نائب رئيس الحكومة، المحتفظ بمنصبه من الحكومة السابقة (نعمان قورتولموش) بترشيق السياسة الخارجية لتركيا. حيث أكد نائب رئيس الوزراء التركي نعمان كورتولموش أنه بات من الضروري إجراء تغييرات في السياسة الخارجية لتركيا على أربعة محاور، من ضمنها وأهمها المحور السوري.

فعلى سبيل المثال، أضحى ملف العلاقة مع الأكراد أكثر حساسية وتداخلاً مع السياسة الخارجية بعد تمدد حزب الاتحاد الديمقراطي الجناح السوري لحزب العمال التركي، على الحدود الجنوبية لتركيا، مهدداً بتشكيل إقليم منفصل للاكراد في سورية. وأدى التدخل الروسي في سورية، على حساب تراجع الدور الأمريكي في المنطقة، إلى تحالف الروس مع الأكراد السوريين لتحقيق طموحاتهم تحت ذريعة محاربة داعش والإرهاب، كما عقّد إسقاط الطائرة الروسية من قبل تركيا من آلية الحل السياسي في سورية في ظل التباين مع موسكو وضعف التأييد الدولي للمعارضة السورية المعتدلة.

أقوى هذه السيناريوهات التي من المتوقع أن تنعكس بقوة على المشهد السوري، هو التقارب التركي الروسي، لا سيما مع تدهور علاقات كل من موسكو وأنقرة مع الاتحاد الأوروبي، وتأثر اقتصاد البلدين بما تم فرضه من إجراءات وتدابير في أعقاب إسقاط تركيا للطائرة الروسية في 24 نوفمبر/ تشرين ثاني الماضي.

تسعى أنقرة إلى استعادة حليفها الروسي، الذي مثلت أسواقه أكبر مخرج لتصريف البضائع التركية في ظل اعتماد موسكو على تركيا كبديل لها عن أسواق الاتحاد الأوروبي الزراعية والصناعية إثر الأزمة الأوكرانية. كما تروم أنقرة استعادة النشاط السياحي الروسي لمدن ومنتجعات تركيا بعد أن تراجعت نسبة قدوم السياح الروس إثر توجيهات القيادة الروسية لهم، بنسبة تجاوزت 80% منذ بداية العام الجاري، ما انعكس (مع موجة التفجيرات التي ضربت تركيا) سلباً على قطاع السياحة في البلاد.

التقارب الروسي التركي الذي يعد الاقتصاد مدخله، يعتمد على حالة العداء والاستقطاب (العلني وغير العلني) لكلا الدولتين مع مجموعة دول الاتحاد الأوروبي على خلفية الأزمتين الأوكرانية وضم موسكو لشبه جزيرة القرم، وأزمة المهاجرين غير الشرعيين والاتفاق التركي الأوروبي على إعادتهم إلى تركيا.

كما يبرز في هذا السياق، إعلان المسؤولين الأوروبيين أن تركيا لم تنجح في إعفاء مواطنيها من تأشيرة الدخول إلى فضاء الشنغن الأوروبي بسبب عدم تلبيتها لمطالب الاتحاد ومعاييره ال72، وتشديد المسؤولين الأتراك على رفض أي تعديل يمس قانون مكافحة الإرهاب وحرية التعبير والإعلام، واستقالة رئيس بعثة الاتحاد الاوروبي في تركيا الالماني "هانسيورغ هابر" بعدما أدلى بتصريحات حول الاتفاق حول الهجرة المبرم بين الطرفين اعتبرتها السلطات التركية "غير مناسبة".

من الواضح، وفق هذا السيناريو، أن المسعى التركي للتقارب مع روسيا في ظل خيبات الأمل المتعددة التي تشعر بها إزاء حلفائها الغربيين (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) سوف يدفعها لممارسة مرونة أكبر تجاه الملف السوري، وفي ذات الوقت ضغوط أكبر على المعارضة السورية لتقديم "تنازلات" في ملف المفاوضات تحديداً الذي تتولى موسكو دفة إدارته، وسيكون من تبعات ذلك توسيع قاعدة وفد المعارضة الممثلة في جنيف لتشمل منصتي موسكو والقاهرة، وهو ما شرعت به فعلياً الهيئة العليا للمفاوضات، من خلال الانفتاح والتواصل على هيئة التنسيق الوطنية، وتشكيل مكتب للتواصل مع كل من منصتي موسكو والقاهرة.

خيارات الرد التركي على خيبات الأمل المتكررة التي تعرضت لها من حلفائها الغربيين في واشنطن والعواصم الأوروبية متنوعة، ويبدو النزوع التركي نحو الشرق والجار اللدود (روسيا) أقوى رد عملي يمكن أن تقوم به الحكومة التركية للحفاظ على مصالحها السياسية والاقتصادية أولاً، ودورها في الملف السوري ثانياً، ومنع تهديد أمنها القومي عبر منع قيام كيان انفصالي كردي في شمال سورية، ما قد يضطرها إلى إرسال قوات محدودة من الجيش التركي إلى الشمال السوري، وإنشاء منطقة آمنة محمية من قبلها، لكن القبول بمثل هذه الإجراءات التي لطالما اعترض عليها الأمريكان والأوروبيون، سيكون هذه المرة بموافقة وتنسيق مع موسكو، بعد أن فشلت كل محاولات أنقرة لتنفيذ هذه المنطقة برضا أمريكي- أوروبي.

تعليقات