"هَنْدَسَةُ" الفوضى في دول الانتفاضات العربية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

27 /05/ 2014
العربي الجديد

واحدة من التداعيات السلبية لانتفاضات ما يعرف بـ"الربيع العربي" في عزِّ ذروته، أنها أضعفت "هيبة الدولة"، وتسببت بفراغ ملأه الغوغاء والفوضى. وبلا شك، إن تراجع هذه "الهيبة" نتيجة طبيعية، مترتبة، إلى حد كبير، على تماهي النظام الحاكم مع الدولة في الفضاء العربي. ففي جلِّ بلاد العرب، النظام، إن لم يكن الحاكم بشخصه، هو الدولة، والدولة هو. ومن ثمَّ، فعندما اهتزت أساسات أنظمة عربية، وتحركت الرمال من تحت ركائز بعض واجهاتها، رأينا ارتباكاً طبع مؤسسات الدولة، فمشروعيتها، في الغالب، مرتبطة بأشخاص ورموز ومنظومات حكم ضيقة.

رأينا هذا الأنموذج من الغوغائية والفوضى في العراق، بعد الاحتلال الأميركي، في إبريل/ نيسان العام 2003، وإسقاط نظام الرئيس الراحل، صدام حسين، وحلَّت سلطات الاحتلال الجيش ومؤسسات الدولة. ثمَّ رأيناه مع سقوط الرئيس التونسي السابق، زين العابدين بن علي، في يناير/ كانون الثاني العام 2011، وما تلاه من سقوط الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، في فبراير/ شباط العام 2011، وبعده الرئيس الليبي الراحل، معمر القذافي، في أغسطس/ آب العام 2011، وصولاً إلى الرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح في فبراير/ شباط العام 2012. أيضا، غالب مناطق سورية اليوم، غير بعيدة عن هذه الفوضى والغوغائية، سواء في المناطق التي ما زالت تحت سيطرة النظام، أم الواقعة تحت سيطرة بعض فصائل الثورة، أو جهات مسلحة أخرى، من عصابات وتنظيمات مسلحة.
إذن، هذه ظاهرة مفهومة، وإن كانت غير محبذة، فضعف النظام، وتضعضع قبضته على الدولة والمجتمع سيترتب عليه تراجع "هيبة الدولة"، وصولاً إلى الغوغائية والفوضى، غير أن هذا التفسير وحده لا يكفي لفهم ما يجري في كثير من دول الانتفاضات العربية.

في خضم الانتفاضات العربية، ألقت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، هيلاري كلينتون، خطابا حول "الربيع العربي" أمام "المعهد الوطني الديمقراطي"، في واشنطن، في نوفمبر/ تشرين الثاني العام 2011. تهمنا منه عبارة مهمة مرتبطة بموضوعنا، تكشف مدى فهم الأنظمة العربية التقليدية أهمية جدليتي الدكتاتورية والاستقرار في الوعي العربي، ومراهنتها على هذه الجدلية عقوداً طويلة. حينها قالت كلينتون: "نقطة البدء أننا نرفض الخيار الموهوم بين التقدم والاستقرار. لسنوات طويلة، قال الدكتاتوريون لشعوبهم إن عليهم أن يقبلوا بالمستبدين الذين يعرفونهم، لتجنب المتطرفين الذين يخشونهم. وكثيراً ما قبلنا نحن أيضا تلك الرواية.. واليوم، نعلم أن الخيار الحقيقي هو ما بين الإصلاح والفوضى". وذهبت كلينتون إلى أبعد من ذلك، لتؤكد أن "أكبر مصدر لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط اليوم لا يتمثل في المطالبة بالتغيير، بل في رفضه ."
هذا كان حينئذ، غير أن الوضع تغير الآن. فالمقاربة الأميركية عادت عملياً، الآن، إلى تبني منطق أن الإصلاح في المنطقة العربية يأتي بالفوضى، فلم تعد تطالب بالتغيير والإصلاح. ولكن، كيف تمَّ ذلك؟ 

سقطت، في الثورات العربية، بعض واجهات تلك الأنظمة ورموزها، لكن الأنظمة نفسها لم تسقط كلياً. مع ضرورة مراعاة أن حجم السقوط ومستواه كان متفاوتاً بين دولة وأخرى. 
عملت البنى التقليدية لتلك الأنظمة، أو ما أصبح معروفا اليوم بـ"الدولة العميقة"، على إعادة إنتاج نفسها، وتجديد شرعيتها وبسط سطوتها من جديد عبر "هَنْدَسَةِ" الفوضى وإحداث فراغ أمني محسوب، أثار الذعر في قلوب الناس، المتخوفين على أمنهم واستقرارهم. حاول الدكتاتوريون الأربعة المخلوعون في تونس ومصر وليبيا واليمن، تذكير شعوبهم بثمن التغيير والإصلاح في أثناء الانتفاضات، بإحداث فوضى وفراغ أمني، غير أن جهودهم تلك ضاعت هباء أمام زخم الانتفاضات حينها.
ولكن، في مرحلة ما بعد سقوط الواجهات والرموز القديمة وتراجع الزخم الثوري، تحركت بنى "الدولة العميقة" من جديد، متحالفة مع قوى إقليمية ودولية، لإعادة إنتاج الفوضى، وصورتها نتيجة حتمية للإصلاح الذي طالب به الناس والتغيير الذي جاءوا به. وهكذا رأينا في مصر تحديداً، على أساس أنه يفترض بها أن تكون الرافعة العربية، إن كتب لها الاستقرار وهيئت لها القيادة الوطنية السليمة، فوضى وغوغائية مترتبتين على انسحاب الأمن من مسؤولياته الوطنية المنوطة به. بل نعلم اليوم أن الأمن وقيادات العسكر لم يكونوا بعيدين عن اختلاق الأزمات، وافتعال المشكلات، لحكم أول رئيس مدني منتخب في مصر، من قطع الطرق وسكك الحديد، إلى الانقطاع المريب للوقود، وصولا إلى تخلي الحرس الجمهوري عن مسؤولياته الوطنية بحماية رئيسه وقصور الرئاسة، والتي تمثل رموز السيادة المصرية. 

وكما في مصر، ليست مجريات الأحداث في تونس واليمن وليبيا بعيدة عن ذلك البتة. فليس عبثا ما يجري في ليبيا اليوم، خصوصاً في ظل إشارات كثيرة تظهر دوراً لقوى إقليمية عربية معارضة للانتفاضات العربية، وأخرى دولية تريد استعادة زمام الأمور في المنطقة، وتوظيفها ضمن حساباتها ومصالحها، في دعم تمرد اللواء خليفة حفتر على السلطة الشرعية في ليبيا.
لا ينفي أن الثوار العرب لم يرتكبوا أخطاء كثيرة، سمحت لمثل تلك القوى المحلية والإقليمية والدولية العابثة من النفاذ، والتسلل عبر شقوق خلافاتهم، ولكن هذا موضوع آخر. المهم أن تلك القوى التي لا تريد خيراً بمستقبل عربي حر وواعد، وجدت ضالتها في تلك الخلافات، وفشل (أو إفشال) الثوار إلى حد كبير في الحكم، فكان أن نجحت، بقدر كبير من النجاح، في استدعاء "الاستقرار المقدس" نقيضاً للإصلاح المنشود في الوعي الجمعي العربي. وها نحن، اليوم، نرى بعض ثمار تلك "الهَنْدَسَةِ" المحبوكة للفوضى، إلى حد رأينا فيه بعض ثوار الأمس يستدعون العسكر إلى الساحة السياسية من جديد، ووجدنا بعض أبناء شعوبنا يضع حذاء العسكر فوق رأسه، في تعبير عن إعادة بعث أولوية الاستقرار الموهوم على الإصلاح، ولو جاء لاحقاً بالاستقرار الحقيقي لا الموهوم. وها نحن نسمع اليوم كثيرين من أبناء شعوبنا يقولون هل تريدونها تونس أو مصر أو ليبيا أو يمنا أو سورية أخرى؟! فبطش سلطة فرد واحد خير من بطش جهات كثيرة، تنساح في فراغه الفوضى والغوغائية!
وبهذا، يراد إعادتنا نحن، أمة العرب، إلى مفهوم "هيبة الدولة"، المتلازمة مع قمع النظام الحاكم وبطشه وفساده.. "وكأنك يا أبو زيد ما غزيت".