واشنطن.. الوصول إلى مفاوضة الأسد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

20/3/2015
العربي الجديد

تزامناَ مع الذكرى الرابعة لانطلاق الثورة السوريّة (15 مارس/آذار 2015)، صرح وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، أن بلاده "ستضطر للتفاوض مع الرئيس السوري بشار الأسد في نهاية المطاف، لتحقيق انتقال سياسي في سوريّة". وقد أثارت هذه التصريحات جدلاً واسعاً عن معناها ومغزاها، لاسيما وأنها أسقطت الديباجة المعروفة في الخطاب الأميركي تجاه سورية أن "الأسد فاقد للشرعية"، وأنه "لا يمكن أن يلعب دوراً في مستقبل سوريّة". والسؤال الذي يطرح نفسه، هنا، هل ثمة تغير في الموقف الأميركيّ من الثورة السورية. 

انطلقت الثورة السوريّة في ظل واقع جيوستراتيجي معقد، وخارج الحسابات الاستراتيجية لإدارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، والتي كانت تضع التقارب مع النظام السوري ضمن أولوياتها، باعتباره خياراً أفضل وأضمن من تغيير النظام. وجاءت في مرحلة بالغة التعقيد، لاسيما وأن أوباما تبنى، ومنذ انتخابه في نوفمبر/تشرين ثاني 2008، سياسة الانكفاء نحو الداخل، في قطيعة مع سياسة سلفه المرتكزة على التدخل العسكري المباشر، مع الاعتماد على حلفاء إقليميين في مناطق مختلفة حول العالم، للتعامل مع قضايا يمكن أن تشكل تهديداً للمصالح الأميركية، أو لحلفائها. ونتيجة ذلك، تحفظت الإدارة الأميركية عن اتخاذ موقف حازم من النظام السوريّ في الأشهر الأولى من الثورة، ولم يخرج موقفها عن الإدانات اللفظية لاستخدام العنف، مع التعويل على الرئيس بشار الأسد، لإطلاق إصلاحات سياسية، تنهي الأزمة، وفرض عقوبات اقتصاديّة للضعط عليه. 

اضطر أوباما إلى مطالبة الأسد بالتنحي (18 أغسطس/آب 2011) نتيجة تصاعد المواقف الإقليمية ضد النظام، خصوصاً السعودية وتركيا (أهم حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، بعد اقتحام الجيش السوري مدينة حماه مطلع أغسطس/آب 2014، ورفض النظام التجاوب مع  الرسالة المشتركة (وزيرا الخارجية التركي داود أوغلو والأميركية هيلاري كلينتون)، والتي طالبت بإعادة الجيش إلى ثكناته، والبدء بعملية سياسية. 
تصاعدت النبرة الدبلوماسيّة الأميركية، خلال عام 2012، تجاه النظام وبشار الأسد، لكن حراك الإدارة الأميركيّة في الملف السوريّ اقتصر على الجانب الدبلوماسي، من خلال التوافق مع روسيا، ودول إقليمية وعربية فاعلة، على بيان جنيف 30 يونيو/حزيران 2012، والذي نص على "تشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات"، من دون أن يتطرق إلى مصير بشار الأسد وموقعه، وكأن الطرفين الروسي والأميركي كانا يعلمان أنهما يوقّعان على نقاط عامّة، لا اتفاق على أيّ تفسير لها. 

ومع تحول الثورة إلى مسلحة، ونجاح فصائل المعارضة، آنذاك، في تحقيق إنجازات عسكريّة مهمة، لاسيما في حواف دمشق، وتهديدها النظام، فإن البيت الأبيض، وفي سابقة من نوعها، رفض البيت الأبيض توصيات وزاراتي الخارجية والدفاع، وكذلك الاستخبارات، بتسليح مقاتلي المعارضة السوريّة وتدريبهم، وظل الخطاب الأميركي يردد أن لا حسم عسكريّ للصراع، وكأنه يرفض ترجيح كفة المعارضة السوريّة، وقتها، لإنجاز حسم عسكريّ، أو تحقيق إنجازات عسكريّة نوعية، تجبر النظام على الدخول في عملية سياسية انتقاليّة. 

تغيير الحسابات بدلاً عن التنحي الفوري 
إثر تعيين السيناتور جون كيري وزيراً للخارجيّة، خلفاً لهيلاري كلينتون، أواخر يناير/كانون ثاني 2013، طرأ تغيير على الخطاب الأميركيّ تجاه سوريّة، بالتزامن مع تبني مقاربة محدثة. تجاهل كيري الموافقة الأميركية السابقة الداعيّة إلى رحيل الأسد شرطاً رئيساً لبدء عملية التسويّة السياسيّة، ودعا إلى الضغط عليه من "أجل تغيير حساباته"، مع استمراره في تحذير النظام من استخدام السلاح الكيماويّ، باعتباره "خطاً أحمر" لا يمكن تجاوزه. 

حاول كيريّ بزيارته المتعددة إلى الدول الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة، مطلع عام 2013، إعطاء انطباع بأن لدى إدارة أوباما مقاربة جديدة لحلّ الأزمة في سوريّة، وأنها تسعى إلى الضغط على روسيا، لتغيير موقفها الداعم للنظام، والمساهمة في حل سياسيّ يفضي إلى هيئة حكم انتقاليّة بدون الأسد. لكن متغيرات عدة، أهمها استخدام النظام السوري الأسلحة الكيماوية، ودخول إيران وحزب الله بشكل مباشر في الصراع، والإعلان عن تأسيس الدولة الإسلامية في العراق والشام (9 أبريل/نيسان 2014)، وازدياد الانتقادات الداخلية والخارجية لسياسة أوباما في سورية والمنطقة، دفعت كيري لزيارة موسكو، وتوقيع اتفاق مع نظيره، سيرغي لافروف، لعقد مؤتمر جنيف 2، وإهمال رحيل الأسد شرطاً لبدء لتفاوض. وبمعنى أوضح، كان اتفاق موسكو إقراراً أميركياً ضمنياً بالتفسير الروسي لبيان جنيف.

رحب النظام السوري باتفاق موسكو، وسعى مع حلفائه لقلب الموازين العسكريّة، وعزل المعارضة المسلحة وتحجيم نفوذها قبل انقعاد المؤتمر، واعتمد على المليشيات اللبنانية والعراقية والإيرانيّة، وكثف استخدام الكيماويّ، ما سبَّب حرجاً كبيراً لإدارة أوباما التي حاولت التملّص من التزاماتها بسبب خرق النظام "خطها الأحمر"، وشككت بداية في صحة التقارير التي تحدثت عن استخدامه السلاح الكيماوي، لكن الأمر غدا بالغ الصعوبة مع تزايد الأدلة، ما جعلها تؤكّد الجريمة في 13 يونيو/حزيران 2013، وتتعهد بتسليح المعارضة السوريّة. جاء الإعلان عن تسليح المعارضة السورية خطوة رمزية، لاحتواء الضغوط الداخلية والخارجية المتزايدة، والمنادية بانخراط عسكري مباشر للولايات المتحدة في الصراع السوريّ. في المقابل، لم تر الولايات المتحدة في الأزمة السوريّة تهديداً للأمن القومي، أو لمصالحها في المنطقة، ما دامت تستطيع، مع حلفائها، حصر الصراع ضمن الجغرافيا السورية، كما أنها، وبحسب شهادة رئيس هيئة الأركان المشتركة، مارتن ديمبسي، أمام الكونغرس 19 أغسطس/آب 2013، وصفت الصراع بأنه حرب أهلية قد تستمر فترة زمنية طويلة، وأن عليها الابتعاد ما أمكن، ولاسيما وأن المعارضة المسلحة في سورية لا تشكل حليفاً استراتيجياً لها. لذلك، استمرت في التعويل على روسيا لإيجاد حل للأزمة، وفي مساعيها الرامية إلى إقناعها بالضغط على الأسد، ليتنحى عند تشكيل هيئة الحكم الانتقاليّة. 

ولم تتغير هذه المقاربة حتى بعد قصف غوطتَي دمشق (21 أغسطس/آب 2013)، إذ قبلت واشنطن بصفقة رعتها روسيا، تضمنت تسليم النظام للسلاح الكيماوي وتدميره، وتخلت، بموجبها، عن تهديداتها بتنفيذ ضربة عسكرية، لمعاقبته على استخدام هذا السلاح. بل ضغطت على المعارضة السوريّة للتنازل عن شرطها بـ"رحيل الأسد" لحضور مؤتمر جنيف 2، والذي انتهت جلساته بالفشل، ليتراجع الاهتمام الدولي بحل الأزمة السورية، لاسيما بعد إجراء الانتخابات الرئاسيّة يونيو/حزيران 2014، واستقالة المبعوث الأممي، الأخضر الإبراهيمي. 

الإرهاب أولاً 
أسهم صعود تنظيم الدولة الإسلامية، وتوسّع نفوذه بعد سقوط الموصل في 10 يونيو/حزيران 2014، وسيطرته على مساحات واسعة في سورية والعراق، ثمّ إعلانه الخلافة الإسلامية في 29 يونيو/حزيران 2014؛ إلى تركيز الولايات المتحدة على أولوية التفاوض مع إيران، حول ملفها النووي من جهة، واحتواء تنظيم الدولة، ووقف تمدِّده في العراق وحرمانه من "الملاذات الآمنة" في سورية، من جهة أخرى، فأنشأت تحالفاً دولياً بدأ ضرباته الجويّة في سوريّة 23 سبتمبر/أيلول 2014. سعت الإدارة الأميركية إلى إقناع حلفائها بأن أولوية مكافحة الإرهاب لا تعني التعاون مع النظام السوريّ، أو إعادة تأهيله، فأعلن أوباما تصريحات عدة "أن الأسد وجرائمه سبب الإرهاب، وأنه لا يمكن أن يكون شريكاً في الحرب ضد الإرهاب"، كما صرح كيري، غير مرة، أواخر العام الماضي "أن السلام لن يحل في سورية، ما دام الرئيس بشار الاسد ممسكاً بالسلطة، وفي مركز القرار". ولضمان انخراط حلفائها عسكرياً في حملتها على تنظيم الدولة، وقعت اتفاقيات عدة مع السعودية وقطر وتركيا لتدريب المعارضة السوريّة وتسليحها، لكن الغموض ما يزال يكتنف تفاصيلها، خصوصاً في ما يتعلق بالخصم المستهدف، إذ يؤكد المسؤولون الأميركيون أن مهمة هؤلاء المقاتلين تنحصر في مواجهة تنظيم الدولة، في حين تؤكد الدول المضيفة أنهم سيواجهون النظام وتنظيم الدولة. 
توفرت ظروف ووقائع جديدة في المنطقة، دفعت جون كيري لإطلاق تصريحات غير مألوفة، ودفعت، قبله، مدير الاستخبارت الأميركية، جون برينان، إلى القول بأن واشنطن "لا تريد انهيار السلطة في سورية، كي لا يُترك المجال للمنظمات المتطرفة للسيطرة على دمشق"، ولعل أبرزها: 

1. مفاوضات النووي الإيراني: أحرزت المفاوضات المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في جنيف تقدمًا في الأسابيع الماضيّة، ما عزز من فرص الوصول إلى اتفاق مؤقت، قبل نهاية  الشهر الجاري. تتصدر المفاوضات مع إيران أولويات إدارة أوباما، وتسعى الأخيرة إلى إنجاز اتفاق شامل معها، تقدمه كأحد أهم إنجازاتها على الصعيد الخارجيّ. وكون إيران تضع ملفها النووي ونفوذها الإقليمي في سلة تفاوضية واحدة، فإن تصريحات كيري الأخيرة قد تكون بادرة أميركية لتشجيع إيران على المضي في طريق المفاوضات حتى نهايته، من دون أن يعني ذلك قبولها بقاءه وإعادة تأهيله. 

2. فشل رهاناتها المسلحة في سورية: دعمت الولايات المتحدة، في العامين الماضيين، فصائل سورية بعينها كجبهة ثوار سورية، وحركة حزم، والفرقة 13، وراهنت عليها مشروعاً مستقبلياً لمواجهة الفصائل الجهاديّة، كجبهة النصرة، لكن الأخيرة، بدأت بخطوات استباقية، فاستهدفت جبهة ثوار سورية غداة الإعلان عن تشكيل تحالف دوليّ (أغسطس/آب)، وصفّت قادتها، واستولت على مقراتها. كما أجهزت، أخيراً، على حركة حزم، والتي تزودها الولايات المتحدة بصواريخ تاو المضادة للدروع، بعد اجتياح الفوج 46 في مدينة الأتارب. وعلى اعتبار أن برنامج تدريب وتسليح المعارضة وتسليحها يستغرق ثلاث سنوات، فإن الولايات المتحدة بأمس الحاجة لقوات بريّة في سوريّة، من خلال حل سياسيّ، بغض النظر عن شكله وشروطه، يدمج فصائل المعارضة المناوئة للنصرة مع الجيش النظاميّ، بحيث يتفرغ الأخير لمهمة مواجهة الجماعات الجهاديّة. 

لا تشكل تصريحات كيري مفاجأة، كما أنها ليست جديدة كلياً، فالدعوة إلى إشراك الأسد ونظامه في المفاوضات كانت في صلب التوافق الأميركي الروسي حول عقد جنيف 2، ولم تطالب الإدارة الإميركية، على الأقل منذ تسلم كيري وزارة الخارجية، باستبعاد الأسد قبل المفاوضات، أو قبل الاتفاق على حل سياسيّ، يفضي إلى هيئة انتقالية كاملة الصلاحيات. 

وبخلاف ما يطرح حالياً، من الصعب على الولايات المتحدة والغرب عموماً التفاوض مع الأسد مباشرة، أو إعادة تأهيله بجرة قلم، أو بتصريح عابر. وقد جربت الدول الغربيّة هذا الاحتمال، بعد صفقة الكيماويّ، لكنها اصطدمت بعوائق ذاتية وموضوعية ومعارضة شديدة من الدول الإقليمية والعربية الحليفة، والتي ما تزال تلعب الدور الأهم، في ظل ابتعاد الغرب وانكفائه عن لعب دور فاعل. الولايات المتحدة، في رأينا، لن تتراجع عن مطلب رحيل الأسد، لكنها غير معنية بإسقاطه في المدى المنظور، أو التحرك الفاعل لإيجاد حل للصراع، ما دامت قادرة على حصره في حدوده، وهذا ما يفرض على الدول الإقليمية المناوئة للأسد وحليفه الإيراني التنسيق فيما بينها، وإيجاد تكتل يفرض شروطه على الولايات المتحدة، كما تفعل إيران حالياً.