واشنطن من التشدّد إلى مزيد من التشدّد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

19/3/2018
العرب القطرية

بعد لحظات قليلة على إقالة دونالد ترمب وزير خارجيته ريكس تيلرسون كانت التحليلات السياسية حول العالم تردّد الاستنتاج نفسه: الاتجاه إلى التشدّد في أميركا. كان يمكن أن يكون هذا الاستخلاص متسرّعاً وسطحياً، لكن ما عزّزه هو اختيار مدير وكالة الاستخبارات مايك بومبيو خلفاً لتيلرسون، ليس فقط لأن الرجل يأتي من «حزب الشاي» المتطرّف، أو لأن له مواقف علنية تشير إلى أنه على يمين ترمب في مختلف توجّهاته، سواء أكانت ضد كوريا الشمالية أو إيران أو الصين وحتى روسيا، بل لأنه من بين قلّة قليلة جداً من الأشخاص، مع السفيرة نيكي هايلي، الذين يعتبرهم ترمب الأكثر انسجاماً مع تفكيره ونهجه، والأكثر استعداداً لإطاعة أوامره وخياراته، وإنْ لم تكن موائمة لتقاليد الدبلوماسية الأميركية وللعمل المؤسساتي.

كانت المفارقة الكبرى أن يُخرج ترمب تيلرسون من طاقم التحضير للقمة المرتقبة بينه وبين الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون. فالوزير المُقال كان أول مَن دعا في أوج التهديدات النووية المتبادلة إلى التحاور مع بيونج يانج، وهو ما شجّعت عليه بكين وموسكو ودول الاتحاد الأوروبي. ويُذكر أن الرئيس غرّد آنذاك راثياً حال وزيره ولسذاجة تفكيره. ويبدو أن تيلرسون الذي سمع أنباء القمة الثنائية، وهو خارج واشنطن، اعتبر نفسه أن التطوّرات رجّحت تقديره، وبالتالي فإنه الأكثر تأهّلاً لإدارة التحضير لهذه القمة، لأن فريقه يشاركه ذلك التقدير، وأعدّ سيناريوات أولية لأي تفاوض. حتى خارج أميركا كان هناك استغراب للتغيير تحديداً في هذا الوقت، ولذلك تمنّت بكين أن لا يؤثّر في المفاوضات المزمعة، أي أن التغيير أثار لديها شكوكاً لم تشأ أن تضخّمها. غير أن أوساط ترمب روّجت أنه يُشهر التشدد وصولاً إلى المرونة (!). يبقى أن يتمكّن من إثبات ذلك.

لم يكن هذا التغيير نبأً طيباً بالنسبة إلى الأوروبيين. فهم بطبيعة الحال سيعملون مع بومبيو، لكنهم أمضوا شهوراً طويلة يتحاورون مع تيلرسون ذي الآراء القريبة من آرائهم بالنسبة إلى الاتفاق النووي، وتوصلوا معه إلى تفاهمات مبدئية للحفاظ على الاتفاق، وللعمل بشكل منفصل على معالجة الخلافات بشأن البرنامج الصاروخي والسلوك الإقليمي لإيران. هذا ما بذل وزير الخارجية الفرنسي محاولة أولى في سبيله عندما زار طهران. فما مصير التفاهمات مع تيلرسون؟ الأرجح أنها «طارت» معه، فخلفه بومبيو من المُطالبين معادٍ للاتفاق من قبل انتخاب ترمب رئيساً. كان الأوروبيون يحاججون بأن إلغاء الاتفاق رسالة خاطئة لكوريا الشمالية وغير مفيدة على المدى الطويل، لكن ترمب يريد أن يفصل بين الملفات، ويعتقد بأن اتفاقاً جيداً مع كيم لا يمنع «تحسين» الاتفاق مع إيران، ويبقى أيضاً أن يبرهن على صحة هذا الافتراض.

أسئلة كثيرة طُرحت حيثما استطاع تيلرسون التوصّل إلى نتائج. فماذا عن اتفاقاته مع تركيا، مثلاً، خصوصاً أنه أقيل وسط ورشة تنفيذها. الأرجح أن تحافظ واشنطن عليها باعتبارها ثمرة عمل الخارجية مع البنتاجون، وكذلك لأنها تتعلّق بمصالح أميركية على الأرض السورية. لكن التشدّد تجاه الجميع في واشنطن لن يتساهل مع التقارب بين أنقرة وموسكو، إلا إذا استطاعت تطويعه وفقاً لسياساتها، كما تحاول حالياً في سوريا. أما الأزمة الخليجية فهناك اعتقاد بأنها يمكن أن تتأثّر سلباً بإقالة تيلرسون في خضم التحضير للقمة الأميركية - الخليجية في مايو المقبل، غير أن مواقف الخارجية والبنتاجون لم تكن متناقضة في هذا الملف.;

تعليقات