واقع عسكري جديد في حماة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

صحيفة الحياة

تعتبر حماة أكثر المحافظات السورية التي تربطها حدود مع المحافظات الأخرى، فهي تلاصق حلب من الشمال، وإدلب من الشمال الغربي، واللاذقية من الغرب، وطرطوس من الجنوب الغربي، وحمص من الجنوب والشرق، والرقة من الشمال الشرقي.

ولذلك تكمن أهميتها في أنها المفصل الأخير في المعركة حول «المناطق المفيدة»، ولما كان طرفا الصراع (المعارضة والنظام) غير قادرين على حسم المعركة، ظلت محافظة حماة خارج عمليات الحسم.

موقع حماة جعلها ذات أهمية جيواستراتيجية، وجعلها في المقابل ـ وهذه إحدى مفارقات الجغرافيا ـ ذات مرتبة ثانية في معادلة المعارك العسكرية بسبب انفتاحها على هذا العدد الكبير من المحافظات، وهو السبب الذي جعل أطراف الصراع خلال السنوات الماضية تحجم عن محاولة السيطرة على المحافظة عسكرياً، والاكتفاء بالحصول على موطئ قدم تبعاً لحاجتها العسكرية، فاحتفظت الفصائل بمدينة مورك ومحيطها في الشمال كبوابة ومعبر لها بين إدلب وحماة، واحتفظ النظام بمناطق جنوب غربي المحافظة عند عتبة حمص، وبعض المناطق إلى الشمال الشرقي على مقربة من أثريا.

لكن في 29 آب (أغسطس) الماضي انتهت حالة «الستاتيكو» العسكري مع الهجوم الذي شنته «جند الأقصى» وفصائل من «الجيش السوري الحر» على مناطق مختلفة من ريف حماة الشمالي ضمن جبهة موحدة امتدت على طول 20 كلم.

ثمة أسئلة كثيرة تطرح عن أسباب فتح معركة حماة في هذا التوقيت وحاجة المعارضة الضرورية إلى تحقيق إنجاز عسكري في حلب، وعدم الانشغال في معارك أخرى جانبية قد تستنزفها.

ومن خلال طبيعة ردود فعل فصائل المعارضة الأخرى مثل «أحرار الشام»، تبين أن قرار فتح جبهة حماة كان قراراً فردياً من «جند الأقصى»، إما من أجل تخفيف الضغط عن حلب كما أعلنت هي نفسها، أو من أجل الحصول على ثقة الفصائل الأخرى لا سيما «جبهة فتح الشام» و «أحرار الشام»، وهو ما توج باتفاق «الجند» مع «فتح الشام» بعدم القتال في ما بينها والالتفات إلى قتال النظام وتنظيم «داعش»، أو ثالثاً من أجل الحصول على أراض جديدة قبيل توصل واشنطن وموسكو إلى اتفاق للهدنة كانت ملامحه الأولية واضحة قبيل إطلاق معركة حماة.

وبغض النظر عن الأسباب التي كانت وراء إطلاق معركة حماة، فإن واقعاً جديداً فرض في شمال المحافظة حماة مع نجاح هذه الفصائل في السيطرة على المصاصنة، معركبة، البويضة، حاجزي زلين والزلاقيات، مدينة حلفايا، قرية الناصرية وتلتها الاستراتيجية، طيبة الإمام، مدينة صوران، تل بزام.

وفي حال نجحت الهدنة وتم تثبيت وقف إطلاق النار، ستكون فصائل المعارضة قد عوضت ما خسرته في حلب، وتمكنت من تثبيت جغرافيا جديدة في ريف حماة الشمالي الذي لن يكون عمقاً استراتيجياً لها في إدلب وريف حلب الجنوبي فحسب، وإنما قاعدة انطلاق لتوجيه ضربات في قلب حماة بعدما أصبحت على مقربة من عاصمة المحافظة بعد السيطرة على مثلث (صوران، طيبة الإمام، حلفايا).

نتحدث عن مساحة تمتد من وسط محافظة حماة إلى شمال محافظة إدلب، إضافة إلى بعض المناطق في ريف حلب الجنوبي، وهذه المساحة ستخلق للمعارضة مع مدينة جرابلس ومحيطها في الريف الشمالي الشرقي لحلب نقطتي ارتكاز ومنطلقاً للهجوم على حلب من زاويتين مختلفتين في حال فشلت الهدنة.

وفي حال هذا الفشل، وبعد ما أعلنته كتائب الثوار من السيطرة على قرية كوكب بريف حماة الشمالي قبيل ساعات قليلة من بدء سريان الهدنة، فإن الفصائل لن تستطيع المحافظة على هذه المكتسبات إن لم تلتزم بالهدنة، فـ «جند الأقصى» يندرج ضمن لائحة المنظمات الإرهابية غير المنضوية تحت سقف الهدنة، وبالتالي سيستغل النظام ذلك للهجوم على هذا التنظيم تحت عنوان مكافحة الإرهاب.

ويخشى أن يذهب النظام إلى أبعد من ذلك، ويلاحق «جند الأقصى» إلى مناطق سيطرة فصائل المعارضة أثناء تراجعها إلى عمق الريف الشمالي لحماة، وربما إلى أقصاه حيث مدينة مورك التي تشكل موقعاً استراتيجياً يتطلع النظام منذ عام إلى استرجاعها.

وعند هذه النقطة قد تنقلب المعادلة العسكرية في غير صالح فصائل المعارضة، ويتعقد المشهد الميداني مع رفض فصائل مهمة الالتزام بالهدنة كـ «أحرار الشام» التي أعلنت ذلك رسمياً، ولديها فصيل مهم في حماة يقاتل إلى جانب «الجند» و «الجيش الحر»، اضافة الى «فتح الشام» غير المندرجة في اتفاق الهدنة.

بناء عليه، قد يكون الواقع العسكري الجديد مع الواقع المعقد في حلب حيث خطوط الاشتباك متداخلة سبباً في انهيار الهدنة مرة ثانية كما حدث نهاية شباط (فبراير) الماضي مع انهيار الهدنة الأولى.

الكلمات الدلالية:

تعليقات