وصفةٌ مُجرَّبة لتفريخ "الدواعش"

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

26/9/2014
العربي الجديد

كأنها لعبة شطرنج بين هاوٍ ومحترف، هذه الحربُ المندلعة، بأشكال مختلفة ودامية غالباً، على رقعة جغرافية شاسعة تمتد من سواحل شرق البحر المتوسط إلى شواطئ شبه الجزيرة العربية، على البحر الأحمر، وبحر العرب، مروراً ببلاد ما بين النهرين. ما أن يتخذ الأول خطوة، سياسية أو عسكرية، يظنها قاتلة، حتى يكتشف أنها صبت في خدمة الثاني، الذي يسارع إلى استثمارها، وتحويلها رصيداً استراتيجياً يعزز سيطرته، ويوسع مساحات نفوذه.
 
في الفصل الأخير من اللعبة، يتحرك أحد اللاعبَين، ولنقل إنه وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، أو حتى الرئيس باراك أوباما نفسه، ليقيم تحالفاً دولياً ضد ما يسمى قوى الإرهاب، وأبرزها تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في العراق وسورية. لا مكان لإيران، في هذا التحالف الذي ضم دولاً عربية عدة، يقول الرجل، بملء فمه، ثم سرعان ما يتراجع، بملء فمه أيضاً، حين ينتبه، متأخراً، إلى أن وكلاء الإمبراطورية الفارسية الصاعدة يستعدون للانقضاض، على منطقة حيوية أخرى، هي اليمن.
 
لكن، التراجع في مثل هذه اللحظة لم ينفع صاحبه في شيء، لأن القطار كان قد فاته، وفات حلفاءه (بحسب التعبير الشهير للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح)، ووصل الحوثيون إلى صنعاء، مشياً على أسنة الرماح، وليس عبر سكة الحديد التي لم يعرفها اليمن، في زمنه الراهن، ولا في زمنه السعيد.
 
من قبل، وتحديداً في مطلع الألفية الثالثة، كان اليانكي الأميركي، المثخنة كرامته بجروح "11 سبتمبر"، قد تزعم حرباً عالمية طاحنة في أفغانستان، للقضاء على تنظيم القاعدة، واكتشف، بعد نحو عقد، أنها أدت، عملياً، إلى تَمدُد ما يسميه التطرف الإسلامي، إلى مناطق بعيدة في المشرق والمغرب العربيين، بينما تمكّن الإيراني، من أن يحقق، في الأثناء، ومن دون ضجيج، نفوذاً سياسياً إقليمياً، ذا شكل ديني مذهبي، ما كان له أن يحققه بين الأفغان، ولا بين سواهم من شعوب آسيا الوسطى، أيام حكم حركة طالبان السنية المتشددة لجارته الشرقية.
 
الحماقة نفسها، تكرّرت، بصورة أفدح في العراق؛ جاء الأميركيون والبريطانيون، بتواطؤ عربي معلن، للقضاء على نظام صدام حسين، متذرعين بامتلاكه أسلحة دمار شامل، فكان لهم ما أعلنوا الحرب من أجله، وكان لإيران ما أرادت، على مدى تاريخيها، الحديث والقديم، إذ سقطت بلاد الرافدين ثمرة ناضجةً بين يديها، وصارت تتحكم بها، وتُسَيّرها، كيفما تشاء، برضا الغرب، أو رغم أنفه.
 
لم يلتفت اللاعبان إلى ما يعتمل على رقعة الشطرنج من مظالم اجتماعية واقتصادية وسياسية، ذات بعد طائفي. وحتى حين خالفت الولايات المتحدة ديدنها المعتاد، وامتنعت عن التدخل في سورية التي بطش نظام حكمها بالملايين من مواطنيه، مستخدماً أسلحةً محرمة دولياً، فإنها غضت النظر، عن تدخل إيران التي اقترفت، هنا، مثلما اقترفت في العراق، كل ما من شأنه أن يسهم في تشكيل تربةٍ خصبةٍ لنمو بذور التطرف الديني المذهبي.
 
والآن، تتكتل دول الغرب، ومعها دول عربية، لمحاربة "داعش"، بينما تتغافل عن معالجة مسببات وظروف نشأة هذا التنظيم وأمثاله. إنها تكرر تطبيق وصفتها المجرّبة، لإنتاج التطرف، فتشن الحرب الجديدة لإضعاف القوى المتطرفة في العراق وسورية، وتؤسس لظروف تفريخ المتطرفين في اليمن، بتعاميها عن امتداد النفوذ الإيراني إلى شبه الجزيرة العربية، وتجاهلها ما قد يؤدي إليه ذلك من حشر غالبية اليمنيين أمام خيار الاحتماء بـ"القاعدة"، أو العمل على إنتاج "داعش" ثانية.

ولعل بعضاً من أسوأ ما في هذه اللعبة أن العرب، كأنظمة سياسية، ليسوا طرفاً حقيقياً، أو مقرراً فيها، ولن يكون لهم، والحال هذه، حصة في نصر أيٍ من طرفيها المعروفين، أو هزيمته، بل هم مجرد بيادق على الرقعة، أو خيول، في أحسن الأحوال، يتناوب الفرنجة والفُرس، على امتطائها، في كرّهم وفرّهم، من دون أن يكون لها حق الاعتراض.