وضع طبيعي في الشرق الأوسط!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

21/9/2014
العرب اللندنية

كيف يمكن تفسير الرغبة الأميركية في العودة إلى المنطقة، عبر مؤتمر جدّة، وتفادي الموقف الواضح من ضرورة الانتهاء من النظام السوري الذي هو الوجه الآخر لـ”داعش”؟ لا جواب واضحا إلى الآن، إذ ليس ما يشير إلى قرار استراتيجي باتّباع سياسة أميركية مختلفة، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار أن إدارة باراك أوباما لم تقدم إلى يومنا هذا على أي خطوة تؤكّد بالفعل أنّها تعني ما تقوله.

من هذا المنطلق، ما نشهده اليوم في الشرق الأوسط أكثر من طبيعي في ظلّ التخلي الأميركي عن الدور القيادي في عالم لم تعد فيه منذ ربع قرن، تاريخ سقوط جدار برلين، سوى قوّة عظمى واحدة.

عندما تتخلّى القوّة العظمى هذه عن دورها، لا يعود مستبعدا قيام روسيا في عهد فلاديمير بوتين بما تقوم به إن في أوكرانيا أو في سوريا.

لا يعود مستبعدا أيضا بروز قوى عراقية شيعية، مرتبطة بإيران، لا تؤمن سوى بالانقياد للغرائز المذهبية. ساعدت هذه القوى إلى حدّ كبير في نشوء عصبية لدى السنّة العرب لا تقلّ خطورة عن تلك التي لدى الأحزاب المذهبية الشيعية التابعة كلّيا لإيران.

كذلك، عندما تتخلّى الولايات المتحدة عن دورها وتتفرّج على النظام السوري يذبح شعبه، طوال ما يزيد على ثلاث سنوات، لا يعود مستبعدا تمدّد تنظيمات مثل “داعش”. ألغت “داعش” الحدود بين العراق وسوريا من منطلق سنّي، بعدما ألغى “حزب الله”، من منطلق مذهبي بحت وبناء على طلب إيراني، الحدود الدولية بين لبنان وسوريا.

حاول النظام السوري، مستغلّا الغياب الأميركي استغلال “داعش” إلى أبعد حدود. رفدها بالمقاتلين الذين خرجوا من سجونه كي ينفّذوا عمليات إرهابية في العراق في البداية ثم كي يقفوا في وجه السوريين لتصوير الشعب الثائر في سوريا بأنّه مجرد “عصابات إرهابية".

تتحمّل الإدارة الأميركية الحالية مسؤولية كبيرة عن كلّ ما يحدث في المنطقة. رهان إدارة أوباما على أن النظام السوري سيتولّى تفتيت سوريا أدّى إلى ظهور “داعش” بالطريقة التي ظهرت بها.

كان احتلال “داعش” لمساحات شاسعة من الأراضي العراقية بعد السيطرة على جزء من سوريا دليلا على مدى جهل إدارة أوباما بالشرق الأوسط.

لم تتردّد هذه الإدارة في ترك العراق لإيران بعدما بدا أنّ الهمّ الأوحد للرئيس الأميركي يتمثّل في الانسحاب العسكري من هذا البلد.

انسحب الأميركيون كلّيا من العراق تاركين أحد أهمّ البلدان في المنطقة في يد إيران التي لم تجد أفضل من نوري المالكي يدير العراق باسمها طوال ثماني سنوات!

تركت أميركا العراق في يد حكومة لا تؤمن سوى بالمذهبية والرغبة في الانتقام. هل يمكن للحقد أن يكون برنامجا حكوميا؟ هل يمكن للحقد إقامة جسور تعاون مع الأكراد؟ هل يمكن للحقد غير أن يوفّر بيئة حاضنة لتنظيم إرهابي متخلّف مثل “داعش” في كلّ المناطق التي فيها السنّة العرب؟

هل تعلّمت الإدارة الأميركية شيئا من تجربتها العراقية بغض النظر عمّا إذا كانت سترسل قوات برّية إلى البلد في المستقبل المنظور أم لا؟

الواضح أنّها لم تتعلّم شيئا. لا تزال الولايات المتحدة مستعدة لتحويل القوّة العسكرية الأميركية مجرّد أداة تستخدمها طهران لتحقيق مآرب إقليمية. هل من فضيحة أكبر من فضيحة التنسيق الأميركي مع ميليشيات تابعة لأحزاب شيعية في العراق؟

لا يمكن تجاهل أنّ الأوضاع في الشرق الأوسط في غاية التعقيد. لذلك هناك حاجة أكثر من أيّ وقت لدور قيادي أميركي يضع كلّ طرف في المنطقة، أو من الذين يتدخّلون في شؤونها في حجمه الحقيقي. مثل هذا الدور يحتاج إلى من لديه القدرة على التعاطي بطريقة مختلفة مع النظام السوري أوّلا بدل الاستماع إلى نصائح روسية وإيرانية أدّت في نهاية المطاف إلى توسّع “داعش” وتمدّدها بعد سعي هذا النظام إلى لعب ورقتها.

في غياب الدور القيادي الأميركي، لم يعد غريبا أن تبتلع روسيا شيئا فشيئا الأراضي الأوكرانية في غياب أيّ ردّ فعل أميركي. في غياب الدور القيادي الأميركي تتوسّع إيران في اليمن عن طريق الحوثيين (“أنصار الله”) لتعويض ما يمكن أن تكون قد فقدته في العراق بعد اضطرارها إلى التخلّي عن نوري المالكي.

المؤسف، أنّ ليس في الأفق ما يشير إلى رغبة أميركية في استعادة الدور القيادي. في الماضي القريب، في العام 1991 تحديدا، أمرت الولايات المتحدة إسرائيل بتفادي أي تدخّل في الحرب التي شنّها التحالف الدولي من أجل تحرير الكويت. التزمت إسرائيل التعليمات الأميركية الصادرة عن إدارة جورج بوش الأب ـ جيمس بايكر التي جرّت حكومة اسحق شامير جرّا إلى مؤتمر مدريد. الآن، ليس في واشنطن من يستطيع أن يسمح لنفسه بالتفكير حتّى في سؤال بنيامين نتانياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، هل لديه فكرة عن كيفية التخلي عن الاحتلال والرغبة في الاحتفاظ بجزء من الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية؟

يمكن إيراد عشرات الأمثلة عن معنى ممارسة الولايات المتحدة دورا قياديا، على الرغم من الأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها إدارة بوش الابن، خصوصا في العراق. ولكن ما لا يمكن السكوت عنه أنّ إدارة أوباما التي رفعت شعار “التغيير” لم تستطع في أي شكل إحداث هذا التغيير.

ليس كافيا الشكوى من الكوارث التي تسبّبت بها العدوانية التي تعاملت بها إدارة بوش الابن مع قضايا الشرق الأوسط، كي تصبح هناك سياسة أميركية بنّاءة ذات أهداف واضحة.

أساءت إدارة بوش الابن إلى الدور القيادي الأميركي، أي إلى ما تستطيع الولايات المتّحدة أن تفعله في العالم، خصوصا في الشرق الأوسط. والكلام هنا عن إيجابيات يمكن تقديمها مساهمة في تدعيم الاستقرار بدل تشجيع كلّ ما من شأنه تفكيك المنطقة في ظلّ انقسام مذهبي لا سابق له فيها. لكنّ معالجة الكوارث التي كانت وراءها إدارة سلّمت العراق على صحن من فضّة إلى إيران لا تكون بالوقوف موقفا محايدا من السياسة التوسّعية الإيرانية التي جعلت مدنا مثل بيروت وصنعاء ودمشق رهينة لدى طهران. أكثر من ذلك، لا يمكن الردّ على إدارة بوش الابن بترك النظام السوري يعامل شعبه بالطريقة التي يعامله بها…

سقطت إدارة أوباما في كلّ الامتحانات التي مرّت بها. سقطت في مصر حيث لم تفهم معنى سيطرة الإخوان المسلمين على البلد العربي الأهمّ وانعكاسات ذلك على التوازن الإقليمي.

سقطت إدارة أوباما في امتحان ليبيا وسقطت في امتحان اليمن وسقطت في امتحان البحرين ولبنان حيث لا رئيس للجمهورية بسبب إصرار “حزب الله” على الفراغ. وسقطت خصوصا في الامتحانين السوري والعراقي.

لم تستوعب بكلّ بساطة أن الثورة على إدارة بوش الابن شيء والتخلي عن الدور القيادي شيء آخر. ما لم تستوعبه على وجه التحديد أنّ الملفّ النووي الإيراني لا يعيد للولايات المتحدة دورها القيادي من جهة ولا يختزل مشاكل الشرق الأوسط بمقدار ما أنّه هرب من هذه المشاكل والنتائج التي ستترتب عليها من جهة أخرى. في مقدّم هذه المشاكل إسقاط النظام السوري. فإسقاط هذا النظام دليل على وجود رغبة حقيقية في التخلّص من “داعش". من دون الربط بين النظام السوري و”داعش” لا معنى لأي ثورة من أي نوع كان على إدارة بوش الابن وما تمثّله.