وفاة مرسي ونهاية مرحلة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

19يونيو/حزيران 2019
العربي الجديد
المؤلف: 

 

بوفاة الرئيس المصري السابق، محمد مرسي، في جلسة محاكمته، تكون صفحة مهمة من تاريخ مصر والمنطقة العربية قد طويت، لتفتح صفحة جديدة عنوانها "المجهول". الانقلاب العسكري، الذي أطاح الأمل الذي ولّدته ثورة يناير بقدرة الشعوب العربية على التغيير السلمي، لم يعد بالمنطقة إلى المربع الأول، بل يوشك أن يقودها إلى انفجارٍ عنيف، قد تغدو "داعش" نسخة باهتة منه.
ردود الفعل الدولية الخجولة على وفاة الرئيس الوحيد المنتخب في تاريخ مصر، في محبسه، ونتيجة الإهمال الطبي، (واشنطن رفضت حتى التعليق على الأمر)، تعين النظام العسكري الحاكم في مصر، وتشجع أقرانه في المنطقة على الاستمرار في سياسات القمع التي تؤدّي، حتما، على ما دلت الخبرات والتجارب، إلى نتيجتين أساسيتين: دفع الناس إلى التطرّف والعنف سعيا في طلب التغيير (الذي تتوهم بعض الأنظمة بالقدرة على منعه)، بعد أن تبيّن عقم الخيار السلمي، وانسداد الأفق أمام التحول الديمقراطي، في ظل نخبٍ تحتقر شعوبها، وتفتقر إلى أي مشروع نهضوي، غير مشروع الاحتفاظ بالسلطة.

والنتيجة الثانية هي تعزيز القناعة بنفاق السياسات الغربية، وقصر نظرها، عندما احجمت عن دعم التحول الديمقراطي السلمي في العالم العربي، وتفضيلها التعامل مع أنظمة استبدادية، متوهمة قدرتها على جلب الاستقرار، لجم التطرّف، ومنع موجات اللجوء والهجرة نحوها. 

تدرك دول الغرب هاتين الحقيقتين اللتين تجلتا في مناسبات عديدة خلال العقدين الماضيين، منذ أحداث "11 سبتمبر" في 2001، وصولا إلى فشل الربيع العربي وصعود تنظيم داعش. فالاستبداد، بحسب الوزيرة الأميركية السابقة، كونداليزا رايس، في خطاب القاهرة في يونيو/ حزيران 2005، "مسؤول عن إنتاج التطرّف والإرهاب" الذي ضرب الولايات المتحدة في "11 سبتمبر".

وصعود "داعش"، بحسب الرئيس أوباما، في مقابلة مجلة أتلانتيك، في إبريل/ نيسان 2016، خرجت من رحم "التهميش والإقصاء والسياسات الطائفية" التي تنتهجها النخب الحاكمة في المنطقة.
مع ذلك، ولأن الغرب أيضا بات يفتقد إلى قياداتٍ ذات رؤية وعمق، ولأن الديمقراطية الغربية باتت بدورها تنتج "كبار موظفين" من مرتبة رئيس دولة أو رئيس حكومة همّه الأساس إعادة انتخابه عبر سياساتٍ ذات مردود سريع لإرضاء الناخب الذي يبحث عن نتائج سريعة، يتم غض الطرف عن الأسباب، والتركيز، بدلا من ذلك، على الأعراض، وترحيل الإجابة عن التحدّيات الكبرى إلى من يأتي لاحقا. وإذا كانت الولايات المتحدة تتوهم، بحكم الجغرافيا، أنها في منأىً عن تداعيات الفشل في إقامة "حكم رشيد" في المنطقة (هذا غير صحيح بدليل هجمات سبتمبر 2001)، فإن أوروبا تسهم، بصمتها المريب عن الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها أنظمة المنطقة، في تقويض أمنها هي، لا بل تتصرّف كمن يطلق النار على نفسه.
لقد أضاعت دول الغرب فرصة ثمينة في مساعدة شعوب المنطقة على تحقيق تطلعاتها في حياة حرّة كريمة، وفي الوقت نفسه، تحقيق أمنها هي، والمحافظة على استقراراها وازدهارها، عندما تردّدت في دعم التحول الديمقراطي السلمي في المنطقة العربية، وتمسّكت إما بمواقف ثقافوية عنصرية تقول بلا أهلية الشعوب العربية للديمقراطية، أو اختارت الدفاع عن مصالح اقتصادية قصيرة الأمد. شهدنا هذا السلوك بصورة خاصة عند الفرنسيين الذين عرضت وزيرة دفاعهم السابقة، ميشال إليوت ماري، على الرئيس التونسي، المخلوع زين العابدين بن علي، مساعدات لإخماد الاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية. فيما جاء تدخلهم في ليبيا مدفوعا باعتبارات اقتصادية وسياسية خاصة بالرئيس السابق، ساركوزي، الذي كشفت التحقيقات وجود علاقاتٍ مالية بين حملته الانتخابية ونظام العقيد القذافي الذي نصب خيمته في قلب باريس، عندما زارها في ديسمبر/ كانون الأول 2007.
وتبقى مصر المثال الأبرز على التخاذل الغربي في دعم التحول الديمقراطي العربي. عندما صمت الغرب إزاء الانقلاب الذي أطاح مرسي المنتخب وحكومته، ومعه حلم التغيير السلمي، مفضلا، لقصر نظره، حكم العسكر على حكمٍ يقوده إسلاميون. لقد فشل الغرب في اعتبار الديمقراطية في العالم العربي قضية تمس أمنه القومي. وتخدمه في صراعه العظيم القادم في مواجهة النظام التوليتاري العالمي الذي تحاول الصين، بالتحالف مع روسيا، بناءه، فأضاع نفسه وأضاعنا. .. وفاة الرئيس مرسي في محبسه تفيد في تنبيهنا إلى فداحة الخطأ الذي تم ارتكابه.