وقائع تفرضها إعادة تنصيب الأسد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

08/ 06/ 2014
العربي الجديد
المؤلف: 

يعمل الحلف الداعم لبشار الأسد على ترويج فكرة الانتصار على الأزمة، واعتبار "الانتخابات" التي حصلت تتويجاً لهذا المسار، وبداية لمسار آخر، فالأول انتهى بالحسم العسكري "شبه الناجز"، والثاني سيكون، بالنتيجة، تظهيراً للنسق السياسي الذي لن يكون سوى انعكاس للواقع العسكري، المرتسم في سورية، وعلى مساحة واسعة من الإقليم. وتالياً ستكون النتيجة المطلوب تظهيرها انتصاراً سياسياً للحلف على مستوى الإقليم برمته.
داخلياً، يعتبر الحلف أنه بات يملك تفويضاً شرعياً للسير بالأمور إلى نهايتها، مهما تكن الكلفة المتوقعة لمثل هذا الخيار، إنسانياً وعمرانياً. ويستمدّ هذا الخيار زخمه، بناءً على تقديرات الحلف بعدم وجود استراتيجية دولية جادة لتغيير قواعد الاشتباك في سورية، حيث تبدو المخاطر المتوقعة لهذا الإجراء منخفضة، طالما أن واشنطن تصيغ استجابتها للأزمة بين حدّين، منع تقديم سلاح متطور وعدم وجود استعداد للانخراط عسكرياً، وهذا المعطى يمنح للحلف أريحيّة تعيين فرصه وقدراته.

تقوم استراتيجة الحلف الإيراني على تحويل المعركة مع جبهة الثورة إلى مجرد بؤر مقاومة يجري قضمها على مدى زمني معيّن، ويتم تنفيذها، وفق خطة مرحلية، يصار في نهايتها إلى تغيير ديناميكية الحالة السورية بشكل كامل، انتهت المرحلة الأولى بإزالة الخطر من سقوط النظام وسقوط العاصمة، بتكتيكات قامت على إبعاد الخطر عن المركز، ومحاصرة الضواحي وتأمين طرق الإمداد اللوجستي بين العاصمة والساحل. وتقوم المرحلة الثانية على أساس بلورة إطار جغرافي متواصل للنظام، يجري تصويره على أنه يمثل سورية الشرعية.

يندفع النظام بخياراته تلك، مرتكزاً إلى حقيقة اجتماعية داخلية، صارت معطىً حقيقياً لا ينبغي إغفالها، وهي استناد النظام إلى قاعدة شعبية، باتت ترتبط به عضوياً، سواء من خلال طائفته وبعض الطوائف الأخرى، أو بتحالفه مع أجزاء من الطبقة السنية المدينية، الدمشقية والحلبية. وبعيداً عن نسبة هذا المكوّن، إلا أنه بات حقيقة اجتماعية في الصراع السوري، وهي من حقائق الحالة السورية الراهنة.
لكن، في المقابل، ثمة وقائع، أيضاً، تشكلت على الضفة الأخرى، تتصادم مع الواقع الذي يحاول الحلف فرضه، وتمتلك ديناميتها الخاصة التي تجعل لديها القدرة على تعطيل قدرة الحلف على التقدم، لعل أهمها أن زخم هذا المشروع، وحسب تقديرات واقعية، ستكون ذروته الانتخابات، ذلك أن هذا الحلف بذل جهوداً استثنائية لتظهير هذه الحالة، لن يتمكن الحلف من توفيرها دائماً، نظراً لتكاليفها الباهظة على بيئاته الاجتماعية وظروفه، وخصوصاً أن استمرارها مشترط ببقاء الزخم المالي الإيراني، وهو أمر يشك به نتيجة معطيات اقتصادية إيرانية، فيما لا يزال مشهد الحسم لم يكتمل، وهو بالكاد خفف الضغط عن بعض المواقع الإستراتجية، ولا تزال مناطق كثيرة حول العاصمة بيد الثوار، وبعضها لا يبعد مئات الأمتار عن مركز العاصمة، مثل جوبر واليرموك وبرزة وداريا، فضلاً عن سيطرة الثوار على معظم الريف السوري، والذي تشكل مساحته أكثر من 60% من مساحة البلد، في ظل إعادة تنظيم تشكيلات الثوار أساليب عملها، وحصولها على أسلحة متطورة، ما يجعل الوضع السوري في حالة سيولة وعدم ثبات دائم.

على المستوى الدولي، وصبيحة اليوم التالي لتنصيب بشار الأسد رئيساً على سورية، تثبّت نهائياً الموقف الدولي الذي تقوده قوى الغرب على رفض تحويل معطياتٍ حاول النظام وحلفاؤه تصديرها إلى أمر واقع، كبداية لهضم النظام وإعادة تأهيله. وكان القرار الغربي واضحاً في هذا السياق، نظام الأسد والمخاطر الأمنية الممثلة بالجهاديين العائدين من سورية يمثلان الخطر نفسه، وذلك في ما يبدو أنه رد مباشر على محاولات التفضيل بينهما التي تبذلها روسيا وإيران. فالتوجه الغربي يصر على أن التسامح مع نظام الأسد يعني الانكسار، وعليه، جرى إقفال خطوط الرجعة، ولم تعد ثمة إمكانية للتعامل معه، لا مكان له في الأسرة الدولية، هو في سورية مجرد طرف ميليشاوي ليس أكثر. هذه الحقيقة أشار إليها السفير الروسي في مجلس الأمن، فيتالي تشوركين، بطريقة غير مباشرة لدى اتهامه الدول الغربية بأنها غير متحمسة لتعيين خلف للممثل الخاص إلى سورية، الأخضر الإبراهيمي، قائلاً إن "أحد الزملاء الغربيين في مجلس الأمن يعتبر أن العملية السياسية في سورية لم تعد قائمة".

تساند هذا الواقع حقيقة وجود موقف إقليمي داعم للموقف الدولي، ينطلق من تقدير موضوعيٍ يعتبر أن استقرار الوضع لإيران على هذه المساحة سيشكل تغييراً كبيراً في معادلات الأمن والنفوذ والاستقرار في المنطقة، وبالتالي، وعلى الرغم من عدم وجود تنسيق إقليمي متكامل، غير أن هذا الموقف سيشكل عائقاً لتقدم المشروع الإيراني، مع العلم أن إيران، وعلى عكس ما تحاول تقديرات إظهاره،  ليست في وارد بيع حليفها الأسد، لسببين، هما إدراكها أن الجغرافيا السياسية تمنحها قوةً توازي قوة ملفها النووي، إن لم يكن أكثر، وأن إمكانيات المساومة منخفضة، لكل من الملفين حقله التفاوضي الخاص، ولا يتقاطعان في مكان أبداً.
في ظل هذه الوقائع، وما تنطوي عليه من تشظيات داخلية وانقسامات في الموقف الدولي، فالمتوقع استمرار حالة الاستاتيكو الحاصلة، في ظل إدارة دولية وإقليمية للصراع، في حين تتثبت الأمور أكثر باتجاه صناعة خطوط تقسيم أكثر وضوحاً.