وماذا بعد العاصفة… سورنة اليمن؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

28/3/2015
القدس العربي
المؤلف: 

مشكلة العواصف التي تهب فجأة أنها تغادر أيضا فجأة، وقد لا تغير مناخ الموسم، ولا تقلب فصل الخريف إلى ربيع، فكيف إذا كانت قد أتت من البقاع نفسها التي اطلقت رياحا اقتلعت الربيع العربي؟
لكن لماذا التشاؤم.. يقول احدهم، تفاءلوا خيرا وانظروا بعين ايجابية وشجعوا التغيير الذي حدث. حسنا الانظمة العربية تريد مواجهة إيران ونفوذها، انطلاقا من روح جديدة في الدولة الخليجية الكبرى، التي تتكتل مع دول سنية مثل باكستان وتركيا ضد الدولة الشيعية ايران.. خطوات عربية تشير إلى تغيير ما يستوجب الالتفات.. لكن هل ستبقى في اطار «ردة الفعل» على «فعل» إيران؟ أم أن الانظمة لديها مشروع بناء حلف قوي حقيقي يعيد لابناء المنطقة كرامتهم المهدورة أمام التغول الإيراني منذ عقد؟

لن نخوض بتساؤلات من قبيل، كيف ستكون الأنظمة نفسها التي جاءت بالتمدد الايراني منذ عقد لضعفها وقصور رؤيتها سببا في مواجهة ايران؟، كيف سيكون من تسبب في المشكلة هو نفسه من سيصنع الحل؟.. فهذه اسئلة قد تقودنا لإجابة بسيطة، التهديد الايراني لم يكن سيواجه، ولو أكل الأمة كلها، الا لانه اقترب من زعزعة أركان السلطة نفسها.
لكن ما يمكن الحديث عنه هو التفصيلات التي تبدو جزئية، ولكنها في مثل صراعات كهذه تحدد المآلات.. وهي موازين القوى على الارض.

والاسئلة هنا تدور في المحاور التفصيلية التالية.. ماذا لو استمرت عاصفة القصف الجوي لأسابيع وظلت صنعاء بيد الحوثيين؟ ماذا كانت نتيجة الهجوم الكبير عام 2009 الجوي والبري الذي تعرض له الحوثيون؟ لماذا اصبحوا بعد ثلاث سنوات من ذلك الهجوم في صنعاء بدلا من مغارات جبالهم؟
ثم كيف يمكن هزيمة مقاتلي الجبال بقصف جوي؟ وإذا حدث وارسلت قوات برية لحماية عدن ألن تكون حرب استنزاف طويلة؟

لن تستطيع أي قوات نظامية لأي جيش ان تواجه الحوثيين باليمن بنجاح.. وحدها القبائل والفصائل اليمنية المسلحة المناوئة لهم، هي القادرة على مواجهتهم، لو حظيت بدعم إقليمي حقيقي من الانظمة العربية يماثل دعم ايران للحوثيين.. إذا وصلنا لنقطة تقول إن الطريقة الانجع لمواجهة الحوثيين هي دعم اطراف يمنية متمرسة بالقتال مثلهم، كالقبائل والفصائل المقربة من الاصلاح.. وحتى لو افترضنا ان الانظمة ستنجح في منع وصول السلاح لأي من القبائل المقربة لـ»القاعدة».. لكن ماذا يعني ذلك؟

إنه يعني سورنة اليمن.. إذ تدور حرب بين نظام اقلوي يسيطر على العاصمة مدعوم من ايران، ومجموعات مسلحة مدعومة من الانظمة المعادية لايران.. وتطول هذه الحرب ربما لسنوات.. وهنا ستعتمد مآلات النزاع لعاملين.. مدى قوة الحلف الداخلي لكل طرف، الحوثيين وشركاءهم كعلي عبد الله صالح.. مدى عقائديته وتماسكه.. وبالمقابل الفصائل والقبائل اليمنية التي ستجتمع لمقاتلة الحوثيين.. هل ستنجح ببناء حلف متماسك منضبط؟
العامل الثاني هو صلابة وطول نفس الداعمين، ايران من جهة، وحلف العاصفة من جهة أخرى..

وهنا تعود الحالة السورية لتذكرنا بحقيقة دامغة، أن الانظمة العربية غير المستندة إلى بعد شعبي أو عقائدي فشلت في ادارة ودعم الفصائل السورية المسلحة، بالشكل الذي يمكنها من اسقاط نظام الاسد، رغم انه اقلوي.. بينما نجحت ايران في توفير دعم مكن الاسد من الحفاظ على مراكز معظم المحافظات السورية حتى الان..
ونتيجة لذلك
وفي النهاية لم ينجح إلا الجهاديون الاسلاميون في سوريا كـ»النصرة» و»تنظيم الدولة» بتكوين تنظيمات قوية تمثل ندا لقوات الاسد، لتنجح اليوم بالسيطرة على أكثر من ثلثي مناطق المعارضة المسلحة في سوريا، بينما تلاشت تقريبا معظم الفصائل الاخرى التي تلقت دعما من انظمة عربية تشارك اليوم في عاصفة اليمن..

إذن تبدو ايران حتى اللحظة اكثر نجاعة في ادارة تحالفاتها الداخلية في العراق وسوريا واليمن، مقابل تجارب لا تبشر بكثير من التفاؤل لادارة الانظمة العربية للمواجهة معها. صحيح ان سوريا ليست اليمن من حيث حساسية واهمية موقع دمشق للغرب واسرائيل، ومن حيث «الفيتو» الذي وضعه الغرب وامريكا تحديدا لمنع إسقاط الاسد، وإبقاء حالة من التوازن بينه وبين المعارضة.. وصحيح أن هذا «الفيتو» غير موجود في اليمن، إذ يمكن دعم المقاتلين المعارضين للحوثي كيفما أريد.. لكن لنتذكر ايضا أن اليمن الذي يقال كثيراعنه انه قد يستنزف ايران كساحة تمدد جديدة، قد يكون على العكس تماما، ساحة استنزاف لانظمة عربية هي اصلا تعاني من الشيخوخة..

وكما حدث في سوريا والعراق، فإنه من المحتمل أن يخرج اكثر الاطراف قوة من هذا المخاض وهي «القاعدة» والجهاديون في اليمن من حلفاء «تنظيم الدولة».. لذلك فإن الجهاديين و»تنظيم الدولة» ينظرون الآن بعين الغيرة والحذر من نجاح الانظمة التي يعادونها في تقديم بديل عنهم لحماية السنة من الهجمة الايرانية على المشرق، ولعل افضل وانجح حرب لاضعاف «تنظيم الدولة» هي القضاء على مبررات ظهوره اصلا ، بتوفير الحماية والتصدي للمشروع الايراني المتوغل، وهو ما أغفلته الأنظمة لسنين وصحت عليه متأخرا الآن على ما يبدو.. فالمشروع الايراني الجامح الذي يخطط له من عقود هو «فعل» لا يمكن مواجهته «بردة فعل».. مواجهته تكون بمشروع قوة حقيقي.

ومع ذلك فالمجال ممكن أمام الأنظمة، إن امتلكت الارادة والوعي والاحساس بالخطر على الامة وليس على سلطتها، المجال ممكن لتقوم بتحول حقيقي بسياساتها الخارجية وبناء حلف للتصدي لايران.
وإذا عجزت هذه المرة فقد تكون الفرصة الاخيرة، إن فشلوا بعدها ستخلو الساحة سنيا للجهاديين.. وحدهم في المواجهة امام ايران ومشروعها..
قد يكون اليمن نقطة تحول وانكسار القوة الإيرانية في المشرق العربي، وقد تكون اخر عاصفة يواجهها الاسطول الايراني المبحر بقوة مستفيدا من رياح اعدائه قبل مؤيديه.. الذين يدفعون به بقوة بعلمهم او بغفلتهم نحو الخليج العربي ـ الفارسي