ينجح دي ميستورا إذا نجح ... العبادي؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

24/ 08/ 2015
الحياة
المؤلف: 

 

إقرار مجلس الأمن خطة المبعوث الدولي إلى سورية ستيفان دي ميستورا تطوي عملياً صفحة بيان جنيف الأول. والممثلون الذين سيشكلون اللجان الأربع في الخطة يقود منطقياً إلى طي صفحة «الائتلاف الوطني». لن يعود له الثقل السياسي الذي كان أو الذي يطمح إليه. النظام سيختار ممثليه. والائتلاف سيختار ممثليه. وسيكون هؤلاء جزءاً من فريق المعارضة الذي سيضم أيضاً مندوبين من «هيئة التنسيق» و«مؤتمر القاهرة». ودي ميستورا سيختار ممثلي تنظيمات المجتمع المدني (التقى 38 منهم!). والنتيجة أن ممثلي أطياف المعارضة مجتمعة لن تكون لهم الغلبة في اللجان. الجميع سيكونون هامشيين. ليس هذا مؤشراً إلى مآل الائتلاف فحسب. المفاوضات التي دارت بين إيران و«أحرار الشام» في تركيا لتسوية قضية الزبداني والفوعة وكفريا (ريف إدلب) كشفت ضعفه. كان يفترض أن يكون وليس العسكر شريكاً أو الطرف الذي يجلس بمواجهة ممثلي طهران. علماً أن «الأحرار» ليسوا الكتلة الأكبر التي تقاتل غرب دمشق. يعني ذلك ببساطة أن المُضيف التركي كان في مواجهة إيران. النظام لم يسلم وحده القياد إلى حليفه التفاوض، المعارضة السياسية أيضاً سلمت كرسيها عن طيب خاطر أو مرغمة إلى الفصيل العسكري الذي ترعاه أنقرة.

هذه الصورة لا تكشف وحدها انتقال القرار السوري إلى الخارج. للمرة الأولى منذ أربع سنوات يبدو جميع المعنيين الإقليميين والدوليين بالأزمة السورية منخرطين في البحث عن تسوية. هذه هي القراءة الحرفية لقرار مجلس الأمن. جميعهم يرون مصلحة في إطلاق قطار «جنيف 3»، مع اختلاف بين جملة المصالح. والتصعيد الذي يشهده مسرح العمليات ترجمة واقعية لرغبة كل طرف في تعزيز مواقعه وكسب مزيد من الأرض، تعزيزاً لموقفه من المفاوضات التي يفترض أن تنطلق بعد تشكيل اللجان الأربع المنصوص عليها في خطة المبعوث الدولي. لكن تركيبة اللجان ومسار التسوية لا يسمحان بهامش للمناورة لطرف دون آخر. لذا لن تكون للأطراف السورية المتصارعة الكلمة الفصل في نتيجة الصفقة وصورتها النهائية. «جنيف 3» سيكون مؤتمراً لالتقاط الصور التذكارية. سيعقد فقط بعد نحو ثلاثة أشهر للتوقيع على ما سيقره المؤتمر الوطني الذي سيكون عليه الموافقة على ما توصلت إليه اللجان في خلال ثلاثة أشهر تبدأ بعد بضعة أيام.

ثمة رغبة خارجية في فرض صيغة الحل. إدارة الرئيس باراك أوباما جددت تكليف روسيا رعاية المسيرة. لم يعد يعنيها الكثير من الساحة الشامية. انتزعت من إيران تجميد البرنامج النووي. وأرغمت دمشق على تسليم ترسانتها الكيماوية. ولم تعد سورية تشكل خطراً أو تحدياً سياسياً أو عسكرياً لمصالح مباشرة للولايات المتحدة. بل ربما كانت هناك مصلحة أميركية في مزيد من تفتيت المشرق العربي، عندها تسهل ولادة النظام الجديد في الإقليم وفرضه على ما يبقى من آثار دول وجيوش ومجتمعات في المنطقة. بل عندها تسهل إعادة رسم الخريطة برمتها.

هذا على الورق، كما يقال، لكن الوقائع على الأرض السورية من التعقيد ما يجعل مهمة المبعوث الدولي شبه مستحيلة. أول التحديات ليست الرغبة الدفينة لكل طرف في إلغاء الآخر وتحقيق انتصار نهائي حاسم، وهو ما سيترجم تشدداً وعناداً. أول التحديات هو أن التسوية ستستغرق وقتاً طويلاً بطول الحرب التي يستدعيها قتال «الدولة الإسلامية» واحتواؤها ثم القضاء عليها. «داعش» والفصائل المتشددة التي تتحسس رأسها بعد كل حديث عن تسوية لن تقف مكتوفة. وهي بدأت التحرك لتحقيق مكاسب جديدة على الأرض، وإعادة تموضع في جبهات ومحاور. ليس هذا التحدي الوحيد. روسيا التي أخذت على عاتقها اقناع إيران بتأييد بيان جنيف، لا تبدو قادرة على انتزاع مثل هذا التأييد. ومرد ذلك أساساً إلى صراع الطرفين على سورية. قد تكون موسكو مستعدة في النهاية للتخلي عن رأس النظام في دمشق ضمن شروط وظروف لا تظهر فيها مظهر الموافق على تغيير القيادة بإرادة خارجية. من هنا تشديدها على أن مستقبل الرئيس بشار الأسد رهن الحوار بين السوريين وحدهم. في حين أن إيران لا تبدي مثل هذا الاستعداد. بل هي تطرح صيغة للحل تنتهي بترسيخ بقاء الرئيس الأسد في ظل حكومة وحدة وطنية تعطي المعارضة مكاسب لا ترقى إلى حدود التغيير البسيط!

موقف إيران النهائي سيتحكم بنتائج الخطة الدولية. والحال أن خصوم طهران يتهمونها اليوم، على وقع ما يجري في الزبداني والغوطتين، بأنها تدفع بمشروع التقسيم قدماً. يستندون إلى الشروط التي ساقتها لوفد «أحرار الشام». تريد دمشق والغوطتين والزبداني والقلمون مناطق صافية للنظام. تجهد لتغيير ديموغرافي يضمن للنظام الاحتفاظ بالعاصمة وبالحدود التي تربطه بلبنان. هذا التغيير اتهمها به خصومه في العراق أيضاً. أخذ أهل السنّة على قوات «الحشد الشعبي» التي تقاتل «داعش» بأنهم يعتمدون، كما القوات السورية النظامية، خطة الأرض المحروقة للسيطرة عليها لاحقاً بعد ترحيل سكانها.

إن انخراط إيران في مثل هذا المشروع في كل بلاد الشام يعني أنها قادرة على ابتلاع جزء من العالم العربي. في المبدأ يصعب أن تتغلب الجمهورية الإسلامية على هذا العالم بهذه البساطة، أو تهيمن وتبسط سيطرتها ونفوذها بلا رادع. فلا الجغرافيا ولا الديموغرافيا ولا القوة العسكرية ولا الكتلة الاقتصادية تتيح لها مثل هذا الطموح، إذا كانت راغبة في ذلك. هذا في منطق موازين القوى التي بين عناصرها أيضاً كتلة العلاقات والمصالح التي تربط العرب بالخارج بعيداً وقريباً، وكفة هذه راجحة لمصلحة العرب. لكن هذا الميزان أصابه كثير من الخلل، من خروج العراق من الحساب، إلى الأزمة الكبرى في سورية والاستعصاء السياسي في لبنان. فضلاً عن سقوط عدد آخر من الدول العربية في حروب أهلية أو ما شابهها.

لا جدال في أن إيران أفادت من هذه الظروف لتمد نفوذها في المشرق العربي وأطراف أخرى في شبه الجزيرة العربية. ساعدها في ذلك ليس قوتها العسكرية أو الاقتصادية بقدر ما ساعدتها التداعيات التي خلفتها «غزوتا نيويورك وواشنطن». جنت ثمار الحروب الاستباقية التي شنتها إدارة جورج بوش الإبن. كسبت في أفغانستان وثأرت من «طالبان». وورثت في العراق ما كان نظام البعث يحرمها منه. وساهم ذلك في تغلغها في سورية التي بات نظامها في السنوات الأربع الأخيرة يعتمد اعتماداً كبيراً على مساعداتها العسكرية والمالية لترسيخ بقائه. واعتمدت على حلفاء ومجموعات وميليشيات تلتقي معها إما في الإيديولوجيا أوالمذهب أوالسياسة. وقد يعطيها الإتفاق النووي دفعة لتجديد حلمها في السيطرة، بعدما كانت العقوبات في السنوات الأخيرة تهدده بالانكماش والضمور... إلا إذا تغلب التيار الإصلاحي على منافسيه رافعي شعار الامبراطورية. لكن السؤال هل يمكن إيران فعلاً أن تمسك ببلدان مشتعلة تستنزف قواها وثرواتها؟ ألا تعتبر من التجربة السوفياتية ليكون الأجدى أن تتماهى مع الموقف الروسي بدل أن تغرد وحيدة؟

إذا اختارت إيران فعلاً تقسيم سورية، ونالت حصة كبرى في صيغة محاصصة على غرار ما في العراق، عليها أن تخوض على الأرض حروباً طاحنة. حملة التغيير الديموغرافي في الزبداني والغوطتين لن تكون كافية. الاحتفاظ بالأراضي التي باتت جزءاً من «الامبراطورية الفارسية» تستدعي إعادة رسم الحدود في بلاد الشام. توفير سهولة التواصل بين هذه الأراضي، من المتوسط إلى حدود أفغانستان، لا يوفره تغيير ديموغرافي يطاول دمشق وريفها وغربها فحسب. إذا تحقق لها ذلك، لا بد لاحقاً من صدام واسع مع «الدولة الإسلامية» في سورية والعراق. لا بد من طردها من تدمر لإعادة فتح الطريق بين دمشق وبغداد عبر معبر البوكمال، ومنه الانطلاق في الصحراء الغربية من ريف حمص إلى الرمادي ومحافظة الأنبار، للإمساك بمنطقة توفر التواصل بين العاصمتين العربيتين. وتوفر التواصل بين الساحل العلوي وملحقاته في حمص وحماه. ولن تكتفي بذلك، يستدعي المشروع ملحقات أولها توسيع التواصل بين الكتلة الشيعية في لبنان والعلوية في الساحل عبر تغيير ديموغرافي قد لا يقتصر على شمال البقاع بل ربما شمل شمال لبنان!

هذا مشروع إمبراطوري ضخم يتنــاسى رافعـــو لوائه حقائق ووقائع. فلا إيران بهذه القدرة وهذا الجبـــروت، لا عسكرياً ولا اقتصادياً. ولا الـعالم العربي رفع الراية البيضاء. هو حاضر في سورية والعراق ولبنان. ولا تركيا غائبة. ولا المجتمع الدولي سيلزم الصمت، هو المتهم بتعميم الفوضى الخلاقة لتفتيت المنطقة وإعادة تشكيلها على قياس مصالحه. وهل يمكن إيران أن تقيم خريطة عجز عنها أصحاب الأفكار من القوميين العرب إلى البعثيين والقوميين السوريين وغيرهم؟ هل تستطيع أن تهضم هذا الخليط من الطوائف والمذاهب والأعراق ومصالحه في المشرق العربي وتروّضه؟

رضخت إيران تحت ضغوط العقوبات والحصار، وقدمت ما يجب أن تقدم لتسوية ملفها النووي. ولو كانت بهذه المقدرة الخيالية لما كانت تخلت عن الحوثيين. ولما تخلت عن نوري المالكي. وهي اليوم تقبض على الجمر في العراق حيث يواجه رجالها قوى لا يستهان بها من المرجعية الشيعية العليا إلى قوى شيعية كثيرة فضلاً عن السنّة و... «داعش». والمحك الآن ليس المسار السياسي في سورية وحدها. المؤشر على موقف إيران وقدرتها ما سيؤول إليه مشروع الإصلاح الذي ينادي به العراقيون ويقوده حيدر العبادي بديلاً من المحاصصة القاتلة. فإذا نجحت في إطاحته لن تكون لها حصة تشارك فيها العرب فحسب، سيعود شبح التقسيم خياراً ثقيلاً على العراق. وهذا ما حذر منه المرجع الأعلى السيد علي السيستاني. وهذا ما نادت به دوائر أميركية. مثل هذا المآل لن يقف عند حدود بلاد الرافدين. سيكون مقدمة لإعادة رسم خريطة المشرق العربي كله. يعني ذلك أن مستقبل خطة دي ميستورا رهن بما يجري في العراق أيضاً حيث «المعركة» الأقرب، وإلا كيف ستنجح الحرب على «داعش»؟

تعليقات