يهود فرنسا: أبناء الجمهورية أم سبايا إسرائيل؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

16/1/2015
القدس العربي
المؤلف: 

حين تصدّر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مسيرة باريس المناهضة لجريمة اغتيال صحافيي «شارلي إيبدو»؛ كان يسير ويداه، شخصياً، ملطختان بدماء 17 صحافياً، قُتلوا في غزّة السنة الماضية؛ كما كان يمثّل دولة قتلت، عن سابق عمد في معظم الحالات، 720 صحافياً خلال السنوات العشر الأخيرة. ومع ذلك، لم يكن هذا السجلّ الدامي، والهمجي الإرهابي، كافياً لإشباع غليل نتنياهو، في ممارسة غطرسة الضحية اليهودية الأبدية؛ فاختار أن يهين أبسط مفاهيم المواطنة ـ في فرنسا، دون سواها! ـ فطالب مواطنيها اليهود أن ينسلخوا، عملياً، عن انتمائهم الفرنسي، وأن يهاجروا إلى إسرائيل، حيث الهوية الدينية اليهودية هي ركيزة المواطنة الأمّ، والوحيدة.

جديرة به، إذاً، تسمية «رئيس وزراء الكيان الصهيوني»، وليس رئيس وزراء إسرائيل، «لدولة الديمقراطية» كما تزعم، والتي يتوجب أن تكون لكلّ مواطنيها، أياً كانت هوياتهم الدينية وأصولهم الإثنية؛ بل إنّ صهيونية نتنياهو بدت، حتى في ناظر صهاينة مخضرمين، أقرب إلى نبش مفاهيم عنصرية اندثرت، أو هكذا قيل، بصدد القراءة العصرية ـ والبعض يقول: الديمقراطية، والمواطنية ـ لمفهوم الـ»عليا» ذاته، حول هجرة يهود الشتات إلى فلسطين. إلى هذا، وضمن نقّاد رئيس الوزراء الإسرائيلي، توفّر مَن ذهب أبعد، فاعتبر أنّ نتنياهو شارك في مسيرة باريس تحت لافتة حزبه، الليكود؛ وكان ينقل حملته الانتخابية، الشخصية، إلى صفوف يهود فرنسا.

جدير بالتذكير، بادىء ذي بدء، أنّ نتنياهو ليس أوّل مسؤول إسرائيلي يطعن، علانية، في انتماء يهود فرنسا إلى فرنسا، ويطالبهم بالهجرة إلى إسرائيل؛ بل يصحّ القول إنّ كلّ واقعة جنائية، مهما ضاقت أو اتسعت دلالاتها، كانت تفتح الباب عريضاً أمام دعوات مماثلة. في سنة 2003، كان السفير الإسرائيلي في فرنسا، نسيم زفيلي، قد صرّح في مقابلة إذاعية إنّ «اليهود الفرنسيين يتساءلون عن مستقبلهم في هذا البلد»؛ وذلك تعليقاً على إحراق مدرسة دينية يهودية في بلدة «غانيي» شرق العاصمة باريس. قبله كان ميكائيل ملكيور، نائب وزير الخارجية الإسرائيلي، قد اتهم فرنسا بأنها صارت «البلد الغربي الأسوأ في ميدان العداء للسامية»؛ ثمّ أعقبه أرييل شارون: «اليهودية في فرنسا تواجه موجة خطيرة من العداء للسامية»؛ وأمّا إيلي يشاي، وكان زعيم «شاس» ووزير الداخلية في حكومة شارون، فقد لجأ إلى الترغيب، بعد الترهيب: 9,000 دولار، هدية، لكلّ يهودي فرنسي يهاجر إلى إسرائيل!

ذلك، كلّه، يناقض حقيقة أنّ فرنسا حظيت على الدوام بمكانة خاصة في قلوب الصهاينة، وهكذا ظلت طيلة عقود. ففي نهاية الأمر، هنا في فرنسا كانت قضية الضابط الفرنسي اليهودي ألفريد دريفوس بمثابة الشرارة الأولى التي أشعلت لهيب فكرة الدولة اليهودية في خاطر صحافي نمساوي يهودي يدعي تيودور هرتزل، كان آنذاك في باريس مراسلاً لصحيفة «الصحافة الحرة الجديدة»، أبرز المطبوعات الليبرالية في أوروبا تلك الأيام. صحيح أنّ هرتزل لن يشهد تبرئة دريفوس لأنه توفي عام 1904، ولكنه شاهد بأمّ عينيه، وأصاخ السمع عميقاً للحناجر، الحشود الفرنسية التي كانت تهتف: «الموت لليهود!»، على خلفية محاكمة الضابط البريء. وتلك كانت مناخات العداء القصوى التي دفعته إلى كتابة مسرحيته «الغيتو الجديد»، وإلى تسطير وطباعة كرّاسه الأشهر «الدولة اليهودية».
أليست فرنسا، أيضاً، البلد الأوروبي الذي تتمتع فيه الأوساط الصهيونية بنفوذ هائل، في مختلف ميادين الحياة الفرنسية، السياسية والاقتصادية والثقافية، ثمّ الإعلامية تحديداً وبصفة خاصة. وثمة، على أساس شبه يومي في فرنسا، سجالات محتدمة حول ما إذا كان أحد يتجاسر على المجاهرة بالعداء لسياسات إسرائيل، في غزّة والضفة الغربية، دون أن يقع تحت محظور العداء للسامية؛ أو ما إذا كان في وسع يهودي ـ كاتب أو مؤرّخ أو صحافي أو مواطن عادي ـ أن يعترض على هذا الشكل أو ذاك من البربرية الإسرائيلية دون أن يُتّهم، وهو اليهودي كابراً عن كابر، بالعداء للسامية! ظاهرة لا تكفّ عن الحضور والتنامي، بل هي تأخذ أحياناً منحى إهانة القِيَم الجمهورية في المجتمع الفرنسي بأسره.

وذات يوم نشرت صفحات «لوموند» الفرنسية، بياناً مشتركاً في مناسبة ذكرى الثانية اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين، أطلقه خمسة من أبرز المفكرين والصحافيين الفرنسسين اليهود، وحمل العنوان الدالّ: «نداء استغاثة» SOS! ليس لصالح الضحية اليهودية الأبدية، كما للمرء أن يتخيل على الفور؛ وليس في سياق الاستذكار الأبدي السرمدي للهولوكوست، أو ضدّ سفك الدماء اليهودية على يد «الإرهاب العربي» كما كانت حال السيناريوهات المألوفة؛ بل… ضدّ سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، بنيامين نتنياهو دون سواه؛ ثم، استطراداً، مواقف «المجلس التمثيلي للهيئات اليهودية في فرنسا»، الـ CRIF.

الاستغاثة حملت التواقيع التالية: الصحافيان جاك ديروجي (أحد كبار أساتذة التحقيق الصحافي) وجان ليبرمان، والطبيب النفسي المعروف جاك حسون، والمؤرخ دانييل لندنبرغ، وبيير فيدال ناكيه، الأكاديمي البارز المختص بالعلاقة بين التاريخ والذاكرة. والنداء كان الثاني من نوعه في الواقع، إذ سبق لهؤلاء أن نشروا مقالاً مشتركاً لا يقلّ سخونة على صفحات «لوموند» أيضاً، طالبوا فيه يهود فرنسا باتخاذ «مسافة نقدية كافية وصريحة ضد سياسات نتنياهو الانتحارية»؛ وسجّل الخمسة، أيضاً، سلسلة احتجاجات على موقف الـCRIF المؤيد لسياسات نتنياهو، أو الساكت عنها بما يفضي إلى التواطؤ معها. لكنّ نزعة التأثيم الجمعية هذه لا تقتصر على فرنسا وحدها، بالطبع، لأنّ نصيب المانيا منها هو الأعلى، ولعلّه الأكثر تحريضاً على السير في منزلقات العنصرية. ولقد ولد، وترسخ واستقرّ، تيار عامّ في التفكير اليهودي والصهيوني، يدين ألمانيا بصفة عامة وتعميمية ومطلقة؛ بحجة أنها أمّة يجري العداء للسامية في عروق أبنائها، وبالوراثة البيولوجية. ولم يكن كلّ هذا ينفي التبصّر في مسائل مثل هذه: كيف أتيح لأمّة عظيمة أنجبت غوته وشيللر أن تنفّذ هذه المجازر؟ أو: ماذا تبقّى من مصداقية في ذلك التأويل اليهودي، الأصولي المحض، الذي يردّ الهولوكوست إلى فكرة تهديم الهيكل، والكراهية الأزلية بين اليهودي والوثنيّ العام؟ أو: حتام تحتمل البشرية نظرية إيلي فيزل، التي ترفض أي وجه للمقارنة بين الهولوكوست وأيّ وكلّ مآسي الإنسانية قديمها وحديثها، من إبادة الهنود الحمر (قرابة 70 مليون قتيل)، إلى مذابح رواندا ربيع 1994 (قرابة مليون قتيل)، فضلاً عمّا جرى ويجري كلّ يوم في فلسطين وأفغانستان والعراق وسوريا؟

وفي العودة إلى نتنياهو، والمثال الفرنسي، فإنّ التأثيم الصهيوني الأخبث هو ذاك الذي يسلّم، ضمناً، بأنّ أبناء المجتمع الفرنسيين الأصلاء قد يجوز أنهم تخلصوا، إجمالاً، من مشاعر العداء للسامية؛ هذه التي تبقى كامنة، وحصرياً، في نفوس الفرنسيين من أصول عربية ومسلمة. وتأسيساً على هذه النظرة، التي لا تكترث بما في باطنها من عواقب عنصرية، يجوز لرئيس الوزراء الصهيوني أن يعتبر يهود فرنسا سبايا في خدمة دولتهم الوحيدة على الأرض، إسرائيل؛ أكثر من كونهم، بل قبل أن يكونوا، أبناء القِيَم الجمهورية في فرنسا. ولهذا فإنّ خيمي شاليف، المعلّق في «هآرتز» الإسرائيلية، اعتبر أنّ دعوة يهود فرنسا إلى مغادرة البلد والهجرة إلى إسرائيل، تنطوي على «عنصر لا يُنكر من الطعن في الظهر، لديمقراطية شقيقة تمرّ في محنة».
تناسى، عامداً، أغلب الظنّ، أنّ الطعنة نجلاء في الصدر أيضاً؛ وجهاراً نهاراً!