يواجه نظام الأسد أكثر أزماته حدة من أعوام

صورة كريستوفر كوزاك

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

Institute for the Study of War

(ترجمة السورية)

بعد ثلاثة أعوام من محاربة مقاتلي المعارضة المسلحة، يواجه النظام السوري أزمة داخلية حادة لم يشهدها منذ الأشهر الأولى من الصراع.

إن الانشقاقات، والفرار من العسكرية، والوفيات التي زادت عن 44,000  قد أدت لتراجع عدد أفراد الجيش السوري عما كان عليه قبل الحرب من 325,000 جندي إلى ما يقارب 150,000 جندي خبير في الحرب ولكنه منهك منها.

وعلى الرغم من التعزيزات التي بلغت عشرات الألوف من المتطوعين الأجانب، ومقاتلي حزب الله اللبناني، والمليشيات المؤيدة للحكومة، إلا أن قوات النظام برهنت على أنها غير قادرة على الهزيمة التامة لألوية الثوار على أرض المعركة.

مما زاد من هذه الضغوط انسحاب الآلاف من مقاتلي المليشيات العراقية الشيعية من سورية في حزيران من عام 2014 ليواجهوا هجوم داعش على العراق.

وفي ذات الوقت، فإن شرائح أساسية من القاعدة الشعبية الداعمة للرئيس بشار الأسد – بما فيهم الشريحة العلوية – قد أظهرت دلائل متزايدة على الاستياء من النظام السوري.

حيث أن المظالم التي كانت موجودة سابقاً والتي تعلقت بالقمع وعدم المساواة الاجتماعية قد زاد عليها التعداد العالي للقتلى والضغط الاقتصادي المتزايد ليرفع من الإحساس بالإنهاك بين مساندي الأسد.

ومع مواجهة النظام السوري لجماهير مرهقة من الحرب وعجز متنامٍ في القوة البشرية يهدد بقاءه، فقد لجأ للقيام بحملة من التجنيد الإجباري في كافة أنحاء البلاد، والتي تهدد بإبعاد النظام عن قاعدته الشعبية أكثر.

إن توضيح معالم هذا البرنامج وتفاعله مع السخط المتزايد ضمن العناصر المؤيدة للنظام من السكان السوريين سيكون ضرورياً لفهم الحالة المستقبلية للقوات المؤيدة للنظام وللمسار العام للصراع في سورية.

إن الدستور السوري يصف الخدمة العسكرية الإلزامية "بالواجب المقدس" لكل مواطن سوري. ويجب على الشباب من عمر 18 أو أكبر أن يقضوا ثمانية عشر شهراً في الخدمة كمجندين إلزاميين وأن يبقوا قابلين للاستدعاء إلى خدمة الجيش إلى أن يبلغوا عمر الأربعين.

ولكن، تفيد التقارير إلى أن التهرب من هذا الواجب القانوني قد بلغ مستويات مدهشة. فقد زعم مثلاً ناشطون من الأغلبية الدرزية في محافظة السويداء الجنوبية أن 450 فقط من الـ 8,000 من الشباب المؤهلين انضموا إلى الخدمة العسكرية في عام 2012 بينما لم ينضم سوى 250 من الـ 7,000 الذين تجب عليهم الخدمة الإلزامية في ذات الفترة.

ولقد لجأ الآلاف من الشباب السوريين إلى الاختباء في المناطق الريفية البعيدة من المراكز الحضرية، وفروا إلى المناطق التي تقع تحت سيطرة المعارضة ليبتعدوا عن مبلغ قوات أمن النظام، أو استخدموا شبكات التهريب التي أنشأها اللاجئون السوريون لمغادرة البلاد إلى لبنان أو تركيا أو مصر.

وللتغلب على هذه التحديات فقد قام النظام بالقيام بعدة تحركات وقرارات إدارية وحملات ضمت:

  1. حملة تعبئة واسعة النطاق لقوات الاحتياط:

 في النصف الثاني من شهر تشرين الأول من عام 2014، أعلن النظام سلسلة غير مسبوقة من التعبئة الحربية لقوات الاحتياط في عدة مراكز حضرية كبيرة.

في 20 تشرين الأول أصدر النظام قراراً بحشد كل جنود الاحتياط المولودين في أو بعد عام 1984 في مدينة حماة، وأبلغ الناشطون عن اعتقال أكثر من 1,500 رجل ليتم أخذهم إلى الخدمة العسكرية من على حواجز التفتيش أو خلال غارات حصلت على مدى أربعة أيام. وقد أفاد الناشطون وشهود العيان أن النظام أجرى عمليات مشابهة في مدينة حمص خلال الفترة ذاتها، واعتقل حوالي 1,200 رجل.

وقد بدأت تعبئة عامة أخرى في 27 تشرين الأول في مدينة دير الزور، التي هي منطقة صراع حالي بين النظام وداعش. وبشكل عام، فقد سُبقت عمليات التعبئة هذه بمحاولات نشطة من النظام لضم الآلاف من المجندين السابقين إلى الخدمة. وقد تم إرسال لوائح "بمجندي الاحتياط الذين يجب سحبهم" والبالغ عددهم 70,000 اسم إلى حواجز التفتيش في أنحاء سورية، مهددة كلاً من السكان المحليين والشباب النازحين داخلياً من شرقي سورية بإعادة التعبئة إلى الجيش.

ومن المثير للاهتمام، أن النظام امتنع عن القيام بتعبئة واسعة النطاق في قلب مراكز داعميه مثل دمشق أو الساحل العلوي، حيث حد طلبه بسحب مجندي الاحتياط ذوي الاختصاصات "المحددة والضرورية" مثل المدفعية الثقيلة أو صيانة الطائرات.

  1. حواجز التفتيش والمداهمات في المراكز الحضرية التي تحت سيطرة النظام:

قد استكمل النظام حملاته لحشد قوات الاحتياط مركزاً على الشباب الذين يحاولون التهرب من الخدمة العسكرية الإلزامية.

ولقد قامت الشرطة العسكرية وضباط أفرع الأمن، وقوات الدفاع الوطني بوضع حواجز تفتيش متحركة وبحملات مداهمة في المناطق التي تخضع لسيطرة النظام في كل محافظة سورية تقريباً من الأحياء الخاضعة لسيطرته في مدينة حلب في الشمال إلى درعا في الجنوب، ومن اللاذقية وطرطوس في الساحل العلوي إلى الحسكة في الشرق.

وإن هذه الأنشطة لا تعد ظاهرة جديدة، فقد وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما يزيد عن 5,400 حالة اعتقال لمجندي العسكرية في الأشهر السبع الأولى من عام 2014، في معدل يقارب 170 اعتقالاً في الأسبوع.

ومع ذلك فقد بدأ النظام باتخاذ إجراءات أكثر صرامة ليحدد مكان الرجال الذين يحاولون التهرب من الخدمة العسكرية.

فإن قوات النظام تقوم الآن بإجراء حملة اعتقالات على الباصات، والمقاهي، والأماكن الأخرى التي يتردد عليها الشباب عوضاً عن الاعتماد على حواجز التفتيش الثابتة. وفي بعض الحالات قام ضباط الأمن بإجراء حملات تفتيش عنيفة في منازل بعض الأحياء واعتقلت أي شاب لم يملك الوثائق المناسبة.

وإن الابتزاز والفساد يبقى حاضراً، مع تقارير عن استلام مليشيات الدفاع الوطني من كل شاب ما يقارب 600,000 ليرة سورية (3,300$) لكي يتجنبوا الاعتقال. وإن الرجال الذين يجندون إلى الخدمة العسكرية خلال حالات الاعتقال هذه يتلقون غالباً تدريباً محدوداً، وفي بعض الحالات يتم توظيفهم في مواقع القتال على الجبهات الأمامية خلال أيام من اعتقالهم.

  1. حوافز الانضمام الطوعي إلى المليشيات:

وقد سمح النظام بالخدمة الطوعية في قوات الدفاع الوطني. مع ألوية البعث، أو المليشيات الأخرى المؤيدة للحكومة كبديل عن واجب التجنيد أو الاحتياط في الجيش العربي السوري.

ولقد تم فتح مكاتب قوات الدفاع الوطني في مناطق عدة هدفها التجنيد، وتقوم بإغراء الشباب بالتطوع مقابل راتب شهري يتراوح بين 25,000 إلى 35,000 ليرة سورية، وبطاقة أمنية تحميهم من الاعتقال لأجل الخدمة العسكرية، وفرصة كي يخدم المرء في بلدته.

على الرغم من ذلك فقد تم الإبلاغ عن إجبار بعض المعتقلين على توقيع عقود لمدة عامين مع قوة الدفاع الوطني، إلا أنه يبدو أن أغلب رجال المليشيات المؤيدة للنظام قد انضموا لها طوعاً للاستفادة من الحوافز هذه.

وعلى الرغم من تعهد النظام بالعكس إلا أن أعضاء قوات الدفاع الوطني يتم استخدامهم غالباً على الجبهات القتالية، خاصة في المناطق التي يشعر النظام فيها بالحاجة لأن يزيد من عدد قواته.

  1. قوانين إدارية لمنع الهجرة:

لقد أصدر النظام عدة مراسيم في خريف عام 2014 التي قيدت قدرة الذكور الذين في سن خدمة الجيش لمغادرة البلاد ولتجنب الخدمة الإلزامية.

فمنذ بداية الثورة في عام 2011، طالبت الحكومة السورية من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين أعمار 18 و42 بتقديم تصريح من إحدى أقسام التجنيد يبين إعفاءً رسمياً من الخدمة قبل أن يسمح لهم بالسفر إلى الخارج.

ولكن في 20 تشرين الأول – في وقت متزامن مع التعبئة لمجندي الاحتياط – منعت الإدارة العامة للتعبئة التابعة  لوزارة الدفاع كل الرجال الذين ولدوا بين عامي 1985 و1991 من مغادرة البلاد لأي سبب.

وأثناء ذلك، أمر قرار جديد آخر كل المسافرين المصرح لهم بدفع مبلغ 50,000 ليرة سورية قابل للاسترداد عند عودتهم إلى البلاد كي يضمنوا أن المسافرين لا يحاولون الهرب.

  1. تعبئة الشرائح السكانية التي كانت محمية سابقاً:

أخيراً، فإن حملة تجنيد النظام شملت أيضاً الشرائح السكانية التي لم يقع عليها عبء التجنيد الإجباري من قبل. وإن طلاب الجامعات يعدون إحدى هذه الشرائح.

فبينما كان بإمكان الطلاب سابقاً تأجيل خدمتهم العسكرية عن طريق إطالة دراساتهم، بدأ النظام بإقامة حواجز التفتيش قرب الجامعات في محافظات دمشق، ودرعا، وحمص، واللاذقية ليعتقل الشباب لأجل الخدمة العسكرية.

فإن الطلاب في جامعة اللاذقية على سبيل المثال، قد سموا الدوار الذي أمام الجامعة بسخرية "بدوار الاحتياط" بعد أن تم اعتقال 200 طالب على حاجز تفتيش قريب بين 20 تشرين الأول و20 تشرين الثاني.

وقد عاد شباب آخرون إلى بيوتهم بعد أن بدأ مديرو المساكن الطلابية بإعداد لوائح مفصلة عن الطلاب الذين يعدون صالحين للتسجيل العسكري. وفي خطوة إضافية لاستهداف حاملي الشهادات، أعلن النظام في 25 تشرين الثاني أن المؤسسات الحكومية ستوظف فقط الموظفين الذين أتموا خدمتهم العسكرية بغض النظر عن خلفيتهم العلمية.

وفي سحب جديد للمجندين من ضمن موظفي الدولة، تم إصدار قرارات جديدة تهدد موظفي الحكومة بفترة سجن لخمس أعوام وبغرامات وبالطرد الفوري إن رفضوا الانضمام إلى الخدمة العسكرية الإلزامية.

ويجب على الموظفين المدنيين والمدرسين وحتى الموظفين في المخابز التي تديرها الدولة أن يحضروا دليلاً على تسجيلهم في الخدمات العسكرية كي يقبضوا رواتبهم، مع مراجعة أهلية ضمهم للخدمة العسكرية من قوائم أخذت من وكالاتهم.

استياء مساندي النظام

إن الإجراءات متزايدة الصرامة التي يتخذها النظام تعتبر دلالات على الطبيعة المؤقتة للجهد الحربي للنظام.

وما يستحق الملاحظة هنا أيضاً، هو ازدياد إبداء السخط من قبل الشرائح السكانية المؤيدة للنظام عادة، خاصة من الأقليات العلوية والدرزية.

وإن بدايات ظهور المعارضة العامة كانت في أواخر شهر آب بعد أن هزمت قوات داعش قوات الأسد في مطار الطبقة في محافظة الرقة وأعدمت أكثر من 160 جندي، مما أدى لإشعال حملة على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العلويين غالباً منتقدة نقص الشفافية والكفاءة لكبار الضباط العسكريين.

ولكن كانت نقطة الاشتعال الكبرى، في 2 تشرين الأول عندما حدث تفجيران بسيارة مفخخة عند مدرسة ابتدائية في حي عكرمة ذو الأغلبية العلوية في مدينة حمص أديا إلى نزول مئات المتظاهرين إلى الشوارع الذين أجبروا النظام على طرد ضابطي أمن عاليا الرتبة.

وقد عاد نقص الثقة بمؤسسات النظام إلى الواجهة مرة أخرى في 9 كانون الأول عندما قام سكان مدينة مصياف العلوية في حماة بعقد مظاهرة شاملة بعد أن سرت الشائعات بأن قوات داعش قد حازت على مطار دير الزور العسكري مما أثار المخاوف من حدوث مذبحة ثانية كالتي حصلت في الطبقة.

وفي محافظتي اللاذقية وطرطوس على الساحل السوري ذاتي الأغلبية العلوية، اللتين لطالما عدتا معقل نظام الأسد، تفاقم الاستياء من الظروف المعيشية المتدهورة من ارتفاع أسعار الوقود والحصة المرتفعة من خسائر المعارك السورية التي عانى منها السكان المحليون بالدعوات للتجنيد الإضافي، مما أشعل حدوث مظاهرات صغيرة النطاق على طول الساحل السوري ضد النظام والثوار معاً.

وفي حالات متعددة، تبادل السوريون النازحون المقيمون في مدينة اللاذقية إطلاق النار مع قوات أمن النظام المغيرة على أحياءهم للبحث عن المجندين. وعلى الرغم من حملات النظام، إلا أن الجماعات الناشطة مثل "العلويون السوريون الأحرار" و"حركة أنصار الوطن" تستمر بتعميم النشرات التي تحث السكان على رفض الخدمة العسكرية أو التخلي عن نظام الأسد.

إن هذه الرسالة قد تم تلقيها بشكل جيد على ما يبدو، فحتى العائلات شديدة التأييد للنظام قامت بإرسال أبنائها بعيداً إلى الجيوب العلوية في لبنان ليتجنبوا السحب العسكري، بينما اضطر النظام لإغلاق محطات الركاب في مرفأ طرطوس في محاولة لإيقاف هجرة الشباب من البلاد.

وفي محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية في جنوبي سورية كانت عداء التجنيد الذي يقوم به النظام أكثر قوة، حتى مع قيام كبار الدروز والسكان بتنظيم مقاومة ضد الخدمة العسكرية الإلزامية.

بعد أن اقتحم جماعة من الكبار ثكنات للنظام وحرروا حوالي 450 شاب كانوا محتجزين ليتم أخذهم إلى الخدمة العسكرية في كانون الأول من عام 2013، قبل النظام "باتفاق ضمني" مع السكان الدروز في السويداء يمنع حدوث حملات اعتقال جماعية بينهم مقابل الإذعان له.

ولكن وخلال الشهرين الماضيين، تم ضرب وطرد عدة دوريات للتجنيد من قبل سكان القرى الدرزية الذين اتهموا القوات المسلحة السورية بتوظيف المجندين الدروز في أعتى مناطق القتال.

وفي دلالة أخرى على التوتر المتصاعد، هاجم القرويون الدروز موقعاً أمنياً للنظام في 12 كانون الأول وخطفوا ضابط مخابرات في محاولة لتحرير رجل محلي تم اعتقاله للخدمة العسكرية. وقد أقام الدروز أيضاً مظاهرات في الشوارع ضد الوضع الاقتصادي المتردي في المحافظة، بما في ذلك إعلان قيام اعتصام كبير أمام مقام عين الزمان في مدينة السويداء في 12 كانون الأول.

لقد بدأ موالو الأسد بالانقلاب ضده

إن البواعث التي تحرك حملة التجنيد والسخط المتزايد ضمن مؤيدي الأسد تقدم لجهاز الأمن السوري مفارقة غير قابلة للحل. فإن الاستمرار بإجراء العمليات العسكرية مع جماهير منهكة من الحرب يعتبر مهمة محكومة بالفشل.

من الواضح أن النظام يفهم التهديد الذي يفرضه تلاقي هاتين المشكلتين وقد عدل برنامجه وفقاً لهذا، متجنباً التعبئة العامة لمجندي الاحتياط في قلب المراكز الداعمة له وعاقداً الاتفاقيات في المناطق ذات الإصرار البادي على التمرد ضد الخدمة الإلزامية.

ولكن، العرض المتزايد لمقاومة النظام تقدم دلالة باكرة على أن نظام الأسد لن يستطيع احتواء هذه القوات المعارضة على المدى الطويل.

وإن استطاعت الولايات المتحدة استغلال الفجوة المتوسعة بين النظام وداعميه بنجاح، فقد تجد المجال الذي تحتاجه للتفاوض للتوصل إلى تسوية قد تشهد على مغادرة الرئيس الأسد، الخطوة التي تعتبر ضرورية لتحييد سورية عن أن تكون ملاذاً لداعش أو جبهة النصرة والجماعات السلفية الأخرى التي تمثل خطراً كبيراً للمنطقة.