يوم تعرضت بيروت لاحتلال إيراني دنيء

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12/5/2016
العرب اللندنية
المؤلف: 

قبل أيام، في السادس من مايو، ألقى أمين عام حزب الله، السيد حسن نصرالله، كلمة أمام جموع ما يسمى بهيئة دعم المقاومة الإسلامية، وكانت خطب نصرالله تحظى باحتفاء وسائل الإعلام الموالية لإيران ولخصومها، لكن الحال تبدل، تماما كمآل شعبية “سيد المقاومة” عربيا وإسلاميا، فمن رمز متربع على عرش القداسة، إلى نموذج انقسام يطغى كارهوه على محبيه، كان نصرالله قاسما مشتركا بين طوائف المسلمين والعرب، وانتهى عنوان طائفة أكثر من كونه أيقونة طائفية، ومن قالوا عنه علما لمفاخر العروبة والإسلام اكتشفوه ذيلا إيرانيا ونتوءا إرهابيا.

وكان مضمون كلمته يشير – بلا قصد– إلى أسباب انحدار صاحبها وانهيار صورته، رجل الوعد الصادق أصبح سيد الأكاذيب، فبمجرد اشتعال الخصومة بين السعودية وإيران لم تعد إسرائيل شرا أكبر، إنما السعودية، ثم أشاد بها ساهيا، فالسعودية تتقهقر والمقاومة تتقدم، ومع ذلك فالسعودية تعطل الحلول – من وجهة نظره – في اليمن وفي سوريا وفي لبنان وتجيش العالم ضد “المقاومة”، وهو يقصد بذلك أنها توقف الزحف الإيراني وتحشد العالم خلف توجهها السياسي، وهذا دليل قوة لا ضعف، ومن تفصيلات كلام نصرالله نلمس انحياز السعودية التام لمنطق الدولة في اليمن وفي غيرها، فالشكر له على تأكيده.

يقول نصرالله إن “المقاومة” في أفضل أيامها، وعجبا من أيامها الأفضل التي صنفتها بالإرهاب خليجيا وعربيا وإسلاميا ودوليا، والعقوبات الدولية تتوالى لتجفيف منابعها المالية المشبوهة، والقبض على شبكات المخدرات وغسيل الأموال التابعة لها من أميركا وفرنسا إلى كولمبيا والمكسيك وغينيا بيساو، مرورا بالإكوادور وأستراليا وألمانيا وهولندا، وشبكات تجسسها وإرهابها تسقط في دول الخليج واحدة تلو أخرى.

حيرنا أمين الحزب الإلهي، هل السعودية عميلة لأميركا، أم أن أميركا عميلة للسعودية؟ المملكة تعطل انتخابات الرئاسة في لبنان مع أن النواب المقاطعين هم عملاء بشار الأسد وإيران، وعلى ذكر طاغية دمشق، يقول نصرالله بأن المعارضة السورية لا وزن لها، والغريب أن ذلك الكيان الهلامي صامد رغم تآمر العالم عليه، وطاغية دمشق المدعوم، كليا وحقيقيا، من الحزب الإلهي والحرس الثوري الإيراني وروسيا عاجز عن الاستقرار، فمن بالله الذي لا وزن له؟ من الذي يتقدم ومن الذي يتقهقهر و”المقاومون” يتحولون إلى أسرى في خان طومان وغير خان طومان؟

وبقيت النكتة التي قالها إن السعودية أصبحت تقيم علاقات مباشرة مع إسرائيل وهذا هراء صرف، فلقاءات الأمير تركي الفيصل – الذي لا يحمل أي صفة رسمية– مع شخصيات إسرائيلية تمت في محافل علمية، ووجهة نظره التي طرحها غير مرة، أكدت التمسك بالثوابت العربية وبالقضية الفلسطينية، وما فعله ليس خارجا عن فعل قيادات عربية وإسلامية منها الإيرانية ومنها السورية، لكن نصرالله لا يرى سوانا متغافلا عن حلفائه ومرجعياته، ومنهم فلاديمير بوتين الذي ينسق يوميا مع بنيامين نتنياهو على رؤوس الأشهاد، ومنهم الحوثيون الذين باعوا يهود اليمن لإسرائيل، فصراخ نصرالله على قدر ألمه، لكننا نقول لمن يصدقه، إن غياب تركي الفيصل عن تلك المحافل يعني، حتما وقطعا، سيادة وجهة النظر الإسرائيلية وانتشارها من دون أن يكبحها رأي مضاد من شخصية وازنة، فالشكر له مع العرفان.

ولا يحق لنصرالله أن يحدثنا عن إسرائيل بعد أن غدا حزبه وإيرانه أسوأ من إسرائيل، وجرائمهما في العراق وسوريا ولبنان شاهدة، ولن نذكّر بغير حصارهما لمضايا وتهجيرهما لأهالي الطفيل وغيرها، وليس بعد ذلك مذمة. ما يهمنا، أن توقيت كلمة السيد، جاء ليلة ذكرى فاضحة لحزبه ولإيرانه، أحداث 7 أيار 2008، ومن الواجب التذكير بها، فذاكرة القطط أقوى من ذاكرة بعض اللبنانيين والعرب.

انتهى التمديد القسري للرئيس إميل لحود، وقبل ذلك وبعده قام الحزب الإلهي والأجهزة الأمنية السورية باغتيال شخصيات لبنانية وطنية عارضت احتلال سوريا وإيران للبنان، لم تفرق الاغتيالات بين مسلم ومسيحي، ولم تمايز بين مدني وعسكري، استخدم الحزب الإلهي تابعه المسيحي، ميشال عون، لاختلاق الفراغ وتمديده كما يجري هذه الأيام، كان مرشحا قوى 14 آذار هما بطرس حرب ونسيب لحود، رفضت قوى 8 آذار انتخاب أحدهما وأصرت على فرض عون، فطرح سعد الحريري قائد الجيش ميشال سليمان مرشحا للجمهورية بعد مبادرتين لاقتا فشلا ذريعا؛ الأولى أطلقتها جامعة الدول العربية، والثانية تبنتها فرنسا نيكولا ساركوزي، وافقت قوى 8 آذار على المرشح الجديد، لكنها استمرت في التعطيل، تماما كما يجري هذه الأيام بعد قيام تيار المستقبل بترشيح سليمان فرنجية حليف حزب الله وبشار الأسد.

وفي ظل الفراغ وقبله، عاصر اللبنانيون أحداثا مزلزلة، حرب تموز التي افتعلها حزب الله مع إسرائيل، وخرج لبنان منها ضعيفا ومنقسما ومديونا أكثر، قامت قوى 8 آذار بالاعتكاف عن الحكومة بغية إسقاطها وتعطيل المحكمة الدولية، وحاصر جمهور الممانعة السراي الحكومي، لكن صمود الرئيس فؤاد السنيورة كان مشرفا، وردا على صموده أطلق بشار الأسد تنظيما عميلا له شمال لبنان ضد الجيش في مخيمات النهر البارد ومنها، واتخذ السنيورة قراره التاريخي بدك جماعة “فتح الإسلام” الإرهابية المنتسبة زورا إلى فلسطين رغم معارضة نصرالله يوم قال “النهر البارد خط أحمر”.

وفي خضم هذه التفاعلات العاصفة، اكتشفت الحكومة اللبنانية كارثتين؛ الأولى هي شبكة اتصالات سلكية غير شرعية تابعة لحزب الله خارج مسرح العمليات (والغريب أن الحزب اليوم يزايد في قضية كابل إنترنت غير شرعي)، والثانية هي اكتشاف كاميرات تجسس تابعة للحزب في حرم المطار، الأمر الذي فسر أكثر من اغتيال تم بعد وصول سياسيين مباشرة إلى لبنان، ضغط وليد جنبلاط لاتخاذ إجراءات صارمة، وبالفعل، قررت الحكومة – استنادا إلى حقها السيادي الذي لا لبس فيه – إقالة مدير أمن المطار ووضع شبكة الاتصالات في عهدة الجيش، وهنا انكشف المستور.

لأيام قام الحزب الإلهي باحتلال بيروت وترويع الجبل، وقتل أقله 71 مواطنا لبنانيا، واعتدى على تلفزيون تيار المستقبل، وانتهك حرمة البيوت، وأطلق النار على جنازات، فعليه من الله ما يستحق، ومن حسن الحظ أن الجبل أوقفهم عند حدهم وأثخن خسائرهم، وكالعادة وقف الرئيس السنيورة وسمير جعجع كالجبال الراسخة، فانعقد مؤتمر الدوحة الذي عالج الأزمة مؤقتا. وكان وزير الخارجية السعودية الأمير سعود الفيصل – رحمه الله – قد اقترح قبل مؤتمر الدوحة إرسال قوات عربية إلى بيروت، وليت المجتمع الدولي وافق على اقتراحه.

وكان الحزب الإلهي يصف السنة بالميليشيات، لكنهم أثبتوا أنهم أهل السلم والتحضر، وأسقطوا مع اللبنانيين الأحرار والشرفاء من قوى 14 آذار، خيارات المشروع الإيراني في انتخابات 2009 تحت شعار “ما مننسى والسما زرقا”.

7 أيار رمز لهوية الحزب الإلهي وجرائمه، وأزمة بعض قوى 14 آذار هي تقوقعها في ذلك اليوم وعجزها عن التحرر من ظروفه وتداعياته، في حين يصف نصرالله يوم 7 أيار “باليوم المجيد”، هذا هو نصر الله وحزبه وتلك هي مشكلتنا معهما، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

تعليقات