«لبيك يا حسين» والعلامة المسجّلة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

31/5/2015
القدس العربي
المؤلف: 

بين أن تكون التسمية «لبيك يا حسين» أو «لبيك يا عراق»، أمر جوهري على صعيد المدلول اللغوي الصرف، أوّلاً؛ ثم ذلك المدلول إذ يطرح إشكالية خلافية على صعيد المذهبَين، الشيعي والسنّي، ثانياً. وفي كلّ حال، لا يلوح أنّ استبدال تسمية بأخرى سوف يزيل الأضرار، المباشرة أو غير المباشرة، لاستقدام وحدات «الحشد الشعبي»، وتحشيدها تحت راية مذهبية لا تستبعد السنّة فقط، بل تحيل العملية العسكرية ضد تنظيم «داعش» إلى احتكار شيعي يقارب صفة «العلامة المسجلة»!

من جانب آخر، هيهات لأية تسمية «وطنية»، تُدرج العراق/ الوطن بدل الحسين/ الرمز المذهبي؛ أن تمحو تصريحات وزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر، أو الناطق باسم البنتاغون ستيفن وارن: الأوّل اعتبر أن القوات العراقية لم تُظهر رغبة في قتال «داعش»، أثناء سقوط الرمادي؛ والثاني ذهب أبعد من رئيسه، فشدد على أنّ القوات العراقية «كانت أكبر عدداً بكثير من عدوها، لكنها اختارت الانسحاب»، وذلك بعد أن «تردّت الروح المعنوية بين القوات»، التي «لم تكن قيادتها على المستوى المطلوب».

بيد أنّ وزير دفاع أمريكي أسبق، هو دونالد رمسفيلد، كان ذات يوم قد أحصى سلسلة أسباب (وردية تماماً، فضفاضة، وجوفاء استطراداً) قادت البيت الأبيض إلى اجتياح العراق، سنة 2003؛ ثمّ اختصر حشد الأسباب تلك في هدف واحد، بعد سقوط العاصمة بغداد: «إعادة العراق إلى العراقيين»! أنذاك كانت جيوشه منشغلة بمسرحية تراجيكوميدية عنوانها إنزال أحمد الجلبي في الناصرية؛ غير مكترثة باشكال اخرى من دراما الواقع، مثل فتح شوارع البصرة وبغداد أمام اللصوص والمشاغبين وناهبي المتاحف والبيوت والدوائر الرسمية؛ وحراسة مبنى واحد وحيد في بغداد كلّها، هو وزارة النفط العراقية!

من جانبه، كان هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأسبق و»الحكيم» غير المتوّج للدبلوماسية الأمريكية، قد سطّر بضعة «دروس من أجل استراتيجية مخرج»، مساجلاً بأنّ «الحرب في العراق لا تخصّ الشأن الجيو ـ سياسي بقدر ما تدور حول صدام الإيديولوجيات والثقافات والعقائد الدينية. ولأنّ التحدّي الإسلامي بعيد النطاق، فإنّ الحصيلة في العراق سيكون لها من المغزى العميق أكثر ممّا كان لفييتنام؛ إذْ لو قامت، في بغداد أو في أيّ جزء من العراق، حكومة على شاكلة الطالبان أو دولة أصولية راديكالية، فإنّ موجات الصدمة سوف تتردّد على امتداد العالم المسلم. والقوى الراديكالية في البلدان المسلمة، أو الأقليات المسلمة في البلدان غير المسلمة، سوف تتجاسر في هجماتها على الحكومات القائمة. ولسوف تتضرر السلامة والاستقرار الداخلي في كلّ المجتمعات الواقعة ضمن نطاق الإسلام المتحزّب».

يومذاك لم تكن «داعش» قد ولدت بعد، ولم تسقط في قبضتها مدن عراقية مثل الموصل وتكريت والرمادي؛ كما أنّ «صدام الإيديولوجيات والثقافات والعقائد الدينية» لم يُختزل إلى وجود، أو غياب، الجنرال قاسم سليمان، قائد «الحرس الثوري» الإيراني، عن ساحات قتال «داعش» في العراق؛ ولم تختصره، أيضاً، فوارق التسمية بين علامة مسجّلة وأخرى.

وقبل أن تجتاح «داعش» مدن العراق، وأمام زحف مقاتليها يتفكك جيش حيدر العبادي، وقبله نوري المالكي؛ كانت معظم وحدات هذا الجيش قد تربّت في كنف الاحتلال الأمريكي، وتشرّبت عقيدة البنتاغون؛ ثمّ حقنها جنرالات الفساد بجرعات متعاقبة من التطييف والتمذهب والفئوية. ولهذا فإنّ خروج الجيش العراقي من هزيمة إلى أخرى، لا يعادله إلا خروج البنتاغون من «عقيدة» رديئة إلى أخرى، في غابة المآزق التي ينتهي إليها العراق.

تعليقات