أربع ملاحظات في مباحثات جنيف

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

23/3/2016
القدس العربي
المؤلف: 

الجولة الأخيرة من محادثات جنيف حول سوريا لم تكن كسابقاتها. صحيح أنها لم تتوج بشيء ملموس يضع حدا للمأساة لكن ذلك لم يكن متوقعا في كل الأحوال لا سيما أن هناك جولتين مقبلتين ينتظر في أعقابهما ظهور الملامح الأولية للحل النهائي استنادا لبيان جنيف في حزيران/يونيو 2012 وقرار مجلس الأمن 2254 الصادر في كانون الاول/ديسمبر 2015. الداعي لقول ذلك أربعة عناصر أساسية:
ـ حزم أكبر من المبعوث الأممي ستافان دي مستورا إذ بدا منذ أول مؤتمر صحافي عقده وبعد لقاءاته بكل من وفدي النظام والمعارضة أن هذا الدبلوماسي السويدي شرع في التخلي تدريجيا وبتؤدة مدروسة عن لهجته «المائعة» السابقة التي لا تقول شيئا. أصبح الرجل أكثر جرأة في الإشادة بما يراه من هذا وانتقاد ما يراه من ذاك، لم يتردد في مدح ما اعتبره جدية من وفد المعارضة تماما كما أشار إلى الإجابات التي ما زال ينتظرها من وفد النظام بل إن مصادر مطلعة في جنيف ذكرت بأنه وصل حد التعبير عن غضبه في إحدى اجتماعاته مع هذا الوفد على ما اعتبره محاولات مراوغة وإضاعة الوقت. دي مستورا كذلك نجح خلال هذه الجولة الأخيرة التي استمرت لعشرة أيام أن يجعل من عبارة «الانتقال السياسي» الكلمة الأكثر تداولا في المحادثات في مسعى منه لجعلها «مربط الفرس» دون أن يبدو متعاطفا مع صياغة «هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات» كما تفضل المعارضة ولا مع عبارة العملية السياسية الغائمة التي يميل إليها وفد النظام. 
ـ تأثير أكبر لروسيا في ترجيح الحل السياسي ونفوذها على وفد النظام لدفعه نحو ذلك فقد تجلى ذلك منذ اليوم الأول لانطلاق المباحثات حين رمت موسكو بــ«قنبلتها» المتمثلة في بدء سحب قواتها من سوريا.
تعددت بعض ذلك إشارات أخرى من مسؤولين روس مفادها أن موسكو ليست مستميتة في الدفاع عن شخص الرئيس بشار الأسد وأن خيارها الأول هو الحل السياسي. ما زاد من قوة التأثير الروسي في محادثات جنيف تنسيقه الكبير مع واشنطن، رغم بعض المماحكات المتعلقة بآلية مراقبة إطلاق النار في سوريا، إلى جانب إشادات دول غربية عديدة بخطوة روسيا ودعمها للانفراجة الانسانية النسبية في سوريا إلى درجة أن يان ايغلاند رئيس مجموعة العمل للشؤون الإنسانية التابعة للأمم المتحدة صرح بأن قافلة إنسانية في معظمية الشام المحاصرة انتظرت دون فائدة ثلاثين ساعة حتى يأذن لها النظام بالدخول لكن مكالمة هاتفية من السفير الروسي في دمشق جعلها تفعل بعد نصف ساعة فقط!!.

ـ توفيق أكبر من وفد المعارضة في أدائه التفاوضي والإعلامي فقد استحق هذا الوفد أن ينوه دي مستورا بجديته فهو لم يركن إلى الشعارات الثورية ومطالب إسقاط النظام بل التزم بقواعد اللعبة التي جاء على أساسها إلى جنيف. لم يتوقف المتحدثون باسم هذا الوفد على التأكيد على عملية «الانتقال السياسي» في سوريا وقدموا ورقة مفصلة في ذلك بشكل مهني لافت معتمدين على المرجعية الدولية لهذه المباحثات ومبتعدين عن الانجرار لمساجلات عقيمة مع وفد النظام. وفي كل المؤتمرات الصحافية التي عقدها قادة هذا الوفد والمتحدثون باسمه، والذين كانوا متاحين لكل وسائل الإعلام الدولية على عكس وفد النظام المنطوي على نفسه، كان هناك حرص واضح على مد اليد إلى الجميع بدون إقصاء، ليس فقط في الداخل السوري وإنما أيضا إلى روسيا رغم كل المرارات. 

– ارتباك أكبر من وفد النظام وعجزه عن التجديد في أدائه، فهذا الوفد لم يكتف بمواصلة ما عرف به بشار الجعفري من لغة غير مناسبة في الحديث عن قضايا وأشخاص وإنما كشف نفسه في جنوحه المفضوح إلى تضييع الوقت والدعوة إلى تأجيل جولات قادمة دون موجبات مقنعة. كل ذلك إلى جانب ما يمكن وصفه بـــ «الاستهبال» في التعاطي مع مفاصل رئيسية في مباحثات جنيف وبالأخص مسألة «الانتقال السياسي» التي رأى الجعفري أنه من «السابق لأوانه» بحثها أو «مقام الرئاسة» أو «قضية الإرهاب». بلغ ذلك حد قول الرجل، الذي بالمناسبة لا يعرف من الوفد إلا هو على عكس تعددية رموز المعارضة، أن يــــقول مستنكرا « لماذا لا توجد معارضة مسلحة معتدلة تنشط فوق الأراضي الفرنسية والبريطانية والأمريكية وترعاها دول أخرى؟!!»… ملاحظة وجيهة لولا أنه نسي تفصيلا مهما هو أن هذه الدول ببساطة ليس على رأسها رجال من طينة بشار الأسد!!. 

هذه الملاحظات الأربع إذا ما تكرست في الجولتين المقبلتين فقد تساهم في التسريع في التوصل إلى «خارطة طريق» للحل السياسي ربما بأسرع مما هو متوقع لأنه مع كل موعد يتضح أكثر من يقف في وجه هذا الحل المأمول… ليس في وجه شعبه الذي عانى الويلات بل في وجه العالم كله، بما فيه من وقف معه لمنع سقوط نظامه المتهالك.

تعليقات