أقتل عصفورا تحمي الأسد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6/9/2014
القدس العربي
المؤلف: 

قبل سنوات قرأت كتابا عن الحرب الاهلية اللبنانية بعنوان «القاتل ان حكى»، يحوي قصص مأساوية تلخص بشاعة الحرب، وكلما التقيت قادة عسكريين شاركوا في حرب لبنان واستمعت لرواياتهم يزداد يقيني من ان تجريد الانسان من ادميته وتحوله الى وحش يتحقق فقط عندما تسيطر الكراهية العمياء على قلبه. ولعل كتبا يمكن ان توضع في الثورة السورية، لكن بعنوان «المقتول ان حكى».

كيف تغزو الكراهية القلوب؟ هذا بحث يطول، لكن المؤكد ان الاسرة والعائلة هما البيئة المغذية الاولى لافكار بغض الاخر وتشويهه، ومن ثم اباحة قتله، بعد ترسيخ ايمانه المطلق بشرعية معركته. وفي سوريا وبعيدا عن الدخول في تفاصيل الحساسيات والتعصبات الطائفية التي نشأ في اجوائها كثير من السوريين، فان بشاعة المشهد وهول الكارثة الانسانية تجعلنا نتساءل عن دور الاسرة والام والاب في تهيئة «الانسان الوحش» وايمانه المطلق «بشرعية عدائه للاخر».. وتحضرني قصة رواها لي صحافي سوري شاب في حلب اسمه محمد تيسير بلو قبل رحيله برصاصة قناص.

يومها وصلت الى حي هضبة عبد ربه على اطراف حلب الشمالية، بعد معارك طاحنة لاستعادته من قوات النظام، ووجدت محمد تيسير بلو كعادته قد سبقنا جميعا بكاميرته وصور من على خط الجبهة الاول اجزاء من المعركة الطاحنة التي تواصلت لايام، فسألت محمد ما الذي أخر الثوار هذه المرة في الاقتحام، فأجابني انه «قناص علوي اتعبنا» تمترس هذا القناص في اخر بيت ولم يستسلم للحظة الاخيرة، رغم سقوط كل المباني والبيوت المحيطة به، حتى ان الثوار دخلوا للبيت الذي يتحصن به بعد ان نفدت ذخيرة القناص، فوجدوه جالسا امام بندقيته ينتظر مصيره، ومن شدة الايذاء الذي الحقه القناص بالثوار قتلوه على الفور ولم يفكروا حتى بامكانية اعتقاله لابداله بمعتقلين، كما جرت العادة.. وبعد ذلك دخل محمد تيسير بلو الى الغرفة التي كان يتحصن بها، ووجد هاتفه النقال مرميا على الارض.. وفي تلك المنطقة كانت تصل اشارة الهاتف الخلوي معظم الاحيان لانها مرتفعة نوعا ما، دفعه الفضول للبحث في هاتف القناص، فوجد مكالمات بينه وبين «امي».. كان القناص يتحدث الى امه بين الحين والاخر، ووجد ان كثيرا من المكالمات تمت في الساعات الاخيرة، حيث حوصر جنود النظام واقتربت ساعات النهاية.. لكن ماذا كانت تحدثه امه يا ترى؟ بحث محمد في الرسائل ووجد رسالة اخيرة من القناص لامه، في وقت يبدو انه لم يستطع الرد عليها، تقول الرسالة «لا تخافي يا امي.. قاعد عمبصيدهم زي العصافير»، وبينما كان محمد ينظر في الهاتف ويقرأ الرسالة، واذا بالهاتف يرن.. ويظهر المتصل: «امي» لحظات صعبة.. فمهما كان المتقاتلون مليئين بالكراهية فان طيف الانسانية يسمو هنا.. ماذا سيقول محمد لامه عن ابنها الذي قتله الثوار قبل قليل؟ وكيف سيتحدث مع أم تحرض ابنها كل دقيقة على «قتل العصافير»؟

رد محمد على الهاتف، واذا بامه تقول: «طمني يا امي انشالله صيدتهم هالعصافير» هنا اختلطت مشاعر الغضب والانتقام عند محمد السحفي الثائر الذي فقد اولاد عمه في المعركة برصاص الابن القناص، مع مشاعر محمد الانسان الذي يعرف معنى الام وخوفها على ابنها تماما، كما تظل ام محمد خائفة عليه.. غلبت مشاعر محمد الابن على الثائر، واجاب محمد الام «انا بخير «، على اعتبار انها امه، ولن تميز صوته وسط الفوضى ورداءة الشبكة.. ولكن الام اعادت السؤال « انشالله صيدتوهم هالعصافير».. هنا غضب محمد واجابها: احنا العصافير.

ارتبكت والدة القناص قليلا ثم فهمت ماذا يدور، وبدأت بالتوسل لمحمد ان لا يقتلوا ابنها،وانها كانت تحضه دوما على «محبة كل السوريين».. وانها «ربته على الوطنية».. لم يخبر محمد الام ان ابنها القناص اعدم فورا.. وقال لها انه معتقل فقط.. ومن قصة «احنا العصافير» تظهر مشاهد مأساة لا تنتهي.. الام الحنون على ابنها، ولكنها الام التي تحرض ابنها على قتل ابناء امهات اخرين.. الام التي ارتضت لابنها ان يترك قريته ليذهب ويقاتل في معركة على ارض الاخرين.. بل وتشحذ همته لقتلهم، باعتبارهم ليسوا سوى «عصافير».. ماذا ستقول هذه الام لامهات الشباب الذين قتلوا دفاعا عن قريتهم وبيوتهم في ريف حلب، بينما ابنها القناص جــــاء «غــــازيا» لاصطــــياد العصافير؟ ولماذا ستعترض يوما على أم من ريف حلب ترسل ابناءها الى قــــرى الجبل العــــلوية وتقول لهم «اقتلوا عصافيرهم كما قتلوا عصافيرنا»؟ صدق من قال ان الأم مدرسة اذا اعددتها اعددت جيلا.. اما مليئا بالمحبة او نقيضها.. انها الكراهية حين تغزو القلوب منذ الصغر.. قلوب تهيئ العقول لافكار التعصب والعداء.. وعندما يقاتل كل طرف بعقيدة وايمان مطلق (كما يفعل القناص العلوي وزمــلاؤه، وكما يفعل محمد بلو ورفاقه الثــوار) عندها فقط تكون الحرب الاهلية.. فكل طرف مؤمن تماما بقدسية معركة الوجود التي يخوضها.. وكل طرف نشأ منعزلا عن الاخر ثقافيا، ومنعزلا في معظم الاحيان في الاسرة والحي والبلدة، يتلقى في بيئته كل ما يعزز ايمانه المطلق بعقيدته المتمايزة عن الاخر.. وشيطنة عقيدة المختلف ابن وطنه.. لتؤهله الكراهية حتى يصل للتوحش، للدرجة التي تجعله مستعدا نفسيا للحظة اطلاق النار على «العصافير»، وربما نتف ريشهم اذا اعتقلوا.. حتى ان تبين انهم مجرد عصافير وليسوا قرودا.

بعد هذه الحادثة بنحو عام، قتل الصحافي الشجاع محمد تيسير بلو برصاصة قناص في الحي نفسه.. ضهرة عبد ربه.. رحل محمد برصاصة قناص ربما كان يتحدث ايضا مع امه عن بطولاته في اصطياد العصافير «الحرة» او ربما القرود «الثائرة» في ريف حلب.

في عندان كبرى مدن الريف الحلبي الثائر حزنت ام محمد عليه كثيرا، كما حزنت امهات على ابنائهن في الطرف الاخر.. لكن الفرق ان جثمان محمد لم يستغرق سوى دقائق ليصل ويوارى الثرى في بلدته عندان.. فهو كان مع المدافعين عن قراهم وبيوتهم.. اما القناصون «صيادو العصافير» فقد جاؤوا من قراهم مهاجمين بيوت وقرى الاخرين التي دمرتها طائراتهم وبراميلهم.. وقد تستغرق عودة جثامينهم لقراهم في اللاذقية عدة ايام، هي المسافة التي هانت في نظر عائلاتهم عندما تركوا بيوتهم لانها «فدى الوطن» الذي اخذ زهور ابنائهم وزجهم في معركة «قتل العصافير في اعشاشها» في بيوتها.. تحت شعار «اقتل عصفورا حرا.. تحمي الوطن» وطن الاسد.