أوباما ونتنياهو: مصالحة نووي طهران مع قنبلة إسرائيل؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

20/2/2015
القدس العربي
المؤلف: 

لم يكن أمراً مألوفاً، بل هو تطوّر بالغ الندرة، أن تبادر الحكومة الأمريكية إلى رفع درجة السرّية عن وثيقة داخلية تخصّ البرنامج النووي الإسرائيلي؛ خاصة إذا كانت الوثيقة دراسة أمنية ـ عسكرية، أعدّها فريق متخصص في «معهد التحليلات الدفاعية»، بناء على طلب مساعد وزير الدفاع الأمريكي، وتمّ إنجازها في العام 1987. وليست مفاجأة، بالطبع، أن يكون البيت الأبيض، والرئيس الأمريكي باراك أوباما شخصياً، وراء قرار رفع السرّية عن الوثيقة؛ لكي تكون «هدية استقبال» لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حين سيعتلي منبر الكونغرس الأمريكي، الشهر القادم، بهدف أكبر هو ذمّ سياسات أوباما حول الملفّ النووي الإيراني.

هذه، على نحو ما، حرب نصوص ونصوص مضادة، ليس بين أوباما ونتنياهو، فحسب؛ بل بين البيت الأبيض والجمهوريين، الأغلبية اليوم في الكونغرس، وتحديداً في ضوء قرار رئيس الكونغرس، جون بونر، عدم تسليم البيت الأبيض نسخة من خطبة نتنياهو، مسبقاً، وكما تقتضي الأعراف. الصحافة، الأمريكية والإسرائيلية على حدّ سواء، وجدت مرتعاً خصباً في هذا الصدام غير المسبوق، فسرّبت ما توفّر (والبعض لم يتردد في اختراع الكثير) من الفقرات في خطبة نتنياهو، المكرّسة للهجوم على أوباما شخصياً. ولم يكن ينقص إلا مسارعة البيت الأبيض إلى إعداد «هدية الاستقبال» هذه، لكي تندلع من جديد جولات أخرى في حرب النصوص!

مدهش، أكثر، أنّ الوثيقة، التي رُفع عنها الحظر، تقيم مقارنة غير مباشرة بين برنامج إيران النووي (الخاضع، بدرجات عالية، لرقابة «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»)، والحكومة الإيرانية (الموقعة، رسمياً، على اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية)؛ على نقيض إسرائيل، من حيث رفض الرقابة، ورفض التوقيع، هذا عدا عن لجوء أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية إلى «طعن» الحليف الأمريكي في الظهر، وتهريب الموادّ والمعدات اللازمة لتطوير البرنامج النووي، من داخل أمريكا إلى إسرائيل، واختطاف سفينة محمّلة باليورانيوم من عرض البحر، وإيصال معلومات مزورة إلى وكالة الطاقة… طريف، إلى هذا، أن يراقب المرء التبعات القانونية، داخل الكونغرس ذاته، التي ستنجم عن نشر الوثيقة: ثمة قانون، معروف باسم «تعديل سمينغتون»، لعام 1961، يحظر على واشنطن تقديم مساعدات عسكرية واقتصادية إلى دول منخرطة في برنامج نووي سرّي!

المرء يعود بالذاكرة إلى مثل هذه الأيام، قبل خمس سنوات، حين كانت سارة بيلين، المرشحة الخائبة لمنصب نائب الرئيس في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2008، قد ترأست الجوقة المطالبة بقصف إيران؛ ليس باستخدام القاذفات الإسرائيلية كما قد يظنّ البعض، بل عن طريق قيام الولايات المتحدة ذاتها بشنّ حرب رادعة لا تتكفل بتدمير البرنامج النووي الإيراني، فحسب؛ بل تكون كفيلة بردع كامل النفوذ الإيراني في المنطقة، وليس في العراق وحده! يومها لم تكن إيران ترسل بجنرالاتها إلى سوريا، للقتال دفاعاً عن نظام آل الأسد؛ وكان حسن نصر الله، زعيم «حزب الله»، يتمتع بصفة «سيد المقاومة»، وليس كما بلغت به الحال اليوم، على رأس ميليشيا مذهبية تحارب السوريين في حوران وحمص وحلب ودمشق. واليوم، يا للمفارقة، يبدو نتنياهو على وفاق تامّ مع آيات الله في طهران، حول ضرورة الحفاظ على نظام بشار الأسد؛ رغم كلّ الصخب والضجيج والعجيج الإسرائيلي، حول البرنامج النووي الإيراني.

والحال أنّ بيلين كانت تقتفي أثر، أو تقتبس (كما أشارت صراحة) فكرة باتريك بوكانان، المعلّق الجمهوري المحافظ المعروف، الذي كتب عموداً في مجلة The Conservative Observer أوضح فيه أنّ على الجمهوريين، في كلّ مواجهة مع البيت الأبيض، صغيرة أم كبيرة، سياسية أم اقتصادية أم أمنية ـ عسكرية أم تشريعية صرفة، عدم نسيان ورقة الحرب ضدّ إيران. وكتب بوكانان: «الجمهوريون الذين يحصون عدد ما سيفوزون به من مقاعد، يجب أن يتنبهوا إلى أنّ أوباما لديه ورقة كبيرة يستطيع أن يلعبها»؛ فإذا سار في خطّ فرض عقوبات قاسية تشلّ إيران، وبالتالي وضع الولايات المتحدة «على سلّم مواجهة يقود مباشرة إلى الحرب»؛ ثمّ إذا وقعت تلك الحرب، فإنها «سوف تعني نهاية أحلام الحزب الجمهوري في إضافة حفنة من المقاعد إلى مجلس النوّاب ومجلس الشيوخ»! والآن إذْ يرفل الجمهوريون بأثواب الأغلبية، لا مناص أيضاً من استخدام الورقة الإيرانية، معكوسة في الواقع، لأنّ أوباما ليس بصدد قصف البرنامج النويي الإيراني، بل التوصل إلى تسوية مع طهران حول تطويق البرنامج.

قبل بيلين وبوكانان، كان أفيغدور ليبرمان، وزير خارجية إسرائيل، قد ألقى على العالم درساً في أصول تقدير المخاطر الحقيقية للبرنامج النووي الإيراني، وأنّ إيران هي المشكلة الكبرى والأولى؛ قبل أي حديث عن التفاوض مع الفلسطينيين، ومبدأ الأرض مقابل السلام، أو حلّ الدولتين، أو تفكيك المستوطنات… وفي حوار مع Kleine Zeitung النمساوية، قال ليبرمان: «نحن لا نتحدث عن هجوم عسكري. لا تستطيع إسرائيل حلّ جميع مشاكل العالم عسكرياً.

أنا أقترح أن تتولى الولايات المتحدة، بوصفها القوّة الأعظم في العالم، زمام المسؤولية في حلّ القضية الإيرانية». وكما سيفعل دانييل بايبس، المعلّق الأمريكي ـ اليهودي الشهير، والليكودي العتيق؛ استشهد ليبرمان باستطلاعات الرأي التي تشير إلى أنّ غالبية من الأمريكيين، تزيد عن الـ 50/ دائماً، تؤيد قصف إيران.
وقبل ليبرمان وبايبس، كان الكاتب الأمريكي اليهودي نورمان بودهوريتز قد ناشد جورج بوش الابن قصف إيران للحيلولة دون وقوع «هولوكوست نووي»؛ وكان مايكل ليدن، المعلّق في Wall Street Journal والأخصائي في الشؤون الإيرانية، قد اعتبر أنّ الثورة الخمينية هي المسؤولة عن تسعة أعشار ما ينتشر من موجات عداء للسامية، في الشرق والعالم المسلم وأوروبا وعلى امتداد العالم بأسره. وفي غمرة تلك الهستيريا تعمّد أفراد جوقة القصف نسيان أبسط الحقائق في تاريخ البرنامج النووي الإيراني، وأنه لم ينطلق في عهد الثورة الإسلامية الإيرانية (1979)، بل قبل اندلاعها بما يقارب ربع قرن، في أيام الشاه رضا بهلوي؛ وأنها كانت جزءاً من ألعاب الشدّ والجذب بين واشنطن وموسكو، خلال عقود الحرب الباردة. ولهذا فإنّ الولايات المتحدة الأمريكية كانت الجهة التي رعت، وأشرفت على، تنفيذ البرنامج؛ وهي التي زوّدت إيران بمفاعل نووي طاقته 5 ميغاواط، وزوّدت المفاعل بالوقود اللازم، أي اليورانيوم المخصّب (نعم: اليورانيوم المخصّب ذاته الذي يقيم الدنيا ولا يقعدها اليوم!)، كما قبلت إقامة منشآت لتخصيب اليورانيوم في إيران.

وبين قنبلة إسرائيل الذرية، الجاهزة حسب الوثيقة الأمريكية؛ وبرنامج إيران النووي، الذي يتقدم خطوة ويتعطل خطوات؛ ثمة ذلك المنطق الجيو ـ سياسي البارد الذي يحكم سياسات أوباما في الملفّ: أنّ طهران ـ محقة، بالطبع، وعلى غرار مساومات الـ»بازار» الشهيرة ـ حين لا تفاوض على برنامجها النووي وحده، بل على سلّة إقليمية متكاملة، تقطع الشرق الأوسط طولاً وعرضاً، من اليمن إلى البحرين والسعودية والكويت وجزر الإمارات، ومن العراق إلى سوريا ولبنان وفلسطين… ولأنّ أوباما ليس أقلّ حرصاً على أمن إسرائيل من رئيس وزرائها نفسه، فإنه ليس أدنى إدراكاً لقيمة توافق الخصمين، طهران وتل أبيب، على أنّ بقاء بشار الأسد، في المدى المنظور، يخدم الجميع.
لا نزاع هنا، إذاً، ولا شقاق؛ بل وفاق وتواطؤ واتفاق!