إرهابنا وإرهابهم… ازدواجية المعايير في فهم النتيجة والسبب

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

24/11/2015
القدس العربي

في كل مرة يصحو فيها الغرب على أصوات التفجيرات تضرب ديارهم، يتوجب علينا نحن العرب والمسلمين أن نهرول كي ندين ونستنكر ونشجب ونبكي ونعتذر. 
ليس هذا فحسب، بل علينا أن نكشف لهم أدراج أجهزتنا الأمنية، كي يبحثوا فيها عن كل معلومة أو خبر يخص مواطنينا، واهتمامات أمننا الوطني والقومي، علّ ذلك له صلة من بعيد أو قريب بما يحصل على أراضيهم، على الرغم من أن أجهزتنا الأمنية باتت في حالة تبرع دائم بالمعلومات وحتى بمواطنينا، كي نثبت للغرب حسن نوايانا، واعلموا بأن أجهزة مخابراتنا بات على رأس اهتماماتها حماية الأمن القومي الاوروبي منا نحن، وليس لحماية أمننا الوطني. نعم لا يمكن أن ننكر بأن «القاعدة» تدعي بأنها تتبنى نهجا إسلاميا، ولا يمكن أن نزوّر الحقائق ونقول بأن تنظيم الدولة لم ينبع من أرضنا، فالجهتان تعلنان يوميا هذا التوجه في جميع أدبياتهما، لكن أليس من الإنصاف أن ندرس بعينين مفتوحتين وعقل كامل القوى أسباب النشاة والظهور، والجنوح إلى هذا الطريق في تحقيق الأهداف؟ وهل يمكن دراسة الظواهر بالتغاضي المقصود عن الأسباب التي أدت إليها؟

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، جعلت الولايات المتحدة والغرب من مكافحة الإرهاب نوعا من أنواع العقيدة. لقد استبدلوا علم الاتحاد السوفييتي الاحمر بالعلم الاخضر، للتعبير عن أن الخطر المقبل والداهم هو خطر اسلامي، وجرى التثقيف بأن الخطر الجديد يشكل أكبر تهديد كوني على الأمن القومي، ثم جيشوا جيوشهم بحملة جديدة ترفع راية نشر الديمقراطية، بعد أن سبقتها في القرون الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، حملة كانت تدعي نشر الحضارة، التي من خلالها احتلوا غالبية دول العالم. كانت الضحيتان في الحملة الجديدة هما أفغانستان والعراق وكلاهما شعب مسلم، وعلى الرغم من أن الاحتلال جاء بلافتة نشر الديمقراطية، إلا أن القتل والتنكيل والتهجير والاغتصاب والاقصاء والتهميش الذي حصل على أيدي الامريكان وحلفائهم الغربيين، لم يذكر لنا التاريخ له شبيها في أي بقعة من بقاع العالم، وكان السبب المعلن في كل هذه الجرائم هو مقاومة المحتل، بينما حتى اليوم مازال الاوروبيون يتفاخرون بالمفخخات التي كانوا يزرعونها في طريق آليات الجيش النازي، بينما اغتصب الرجال الذين فعلوا الشيء نفسه ضد الجيش الامريكي في العراق وافغانستان؟ أليست هذه ازودواجية معايير ونظرة دونية لنا؟ ولماذا يؤكد رئيس أكبر وأعظم دولة في التاريخ، كلما التقى رئيس الوزراء الاسرائيلي، على حق اسرائيل في كل ما تمارسه من ظلم وعدوان على شعبنا الفلسطيني، حتى لو كان بالفسفور الابيض، بينما لم نسمع منه مرة واحدة عن حق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم ولو بالحجارة؟ لماذا يطلبون منا أن ننفض أنفسنا من كل حقوقنا، بينما ينتهكون إنسانيتنا كل يوم وفي كل مكان؟ إنهم يريدون أن يعتذر كل المسلمين والعرب عن فعل فردي يظهر من بيننا، بينما يرفض رئيس الوزراء البريطاني الاسبق الاعتراف ولو تلميحا بخطيئة احتلال العراق. إنهم يتحدثون عن قدسية القيم الاوروبية التي انتهكوا بها كل حقوق البشرية، ويريدوننا أن نكفر بكل قيمنا ومقدساتنا، ولو أردنا أن نعدد تعدي قيمهم على قيمنا لكانت قائمة طويلة من المظالم، ابتداء من الحصار الاقتصادي المفروض على المسلمين في فرنسا خاصة، مرورا باستفزازات اليمين المتطرف، وأخيرا وليس آخرا موضوع الحجاب للمسلمات في المجتمعات الغربية، ومع ذلك علينا أن نرفع أعلامهم على رموزنا العمرانية، وعلى رؤوسنا وجباهنا وساحاتنا وشوارعنا، بينما يُدنسّون بأحذيتهم سيادتنا واستقلالنا، ويُركّعون شيوخنا وشبابنا ونساءنا في ديارنا وفي ديارهم. لماذا لا يساوي العلم اللبناني والعراقي والفلسطيني والسوري العلم الفرنسي، فيرفعونها على رموزهم العمرانية وشوارعهم وساحاتهم؟ أليست الدماء التي سالت في باريس هي من الفصيلة الانسانية نفسها للدماء التي سالت وتسيل في بلداننا العربية؟ ألم يُقتل أولئك وهؤلاء بالفعل والطريقة نفسيهما؟

إن المجتمعات الغربية التي طالما اعتبرت عنف حكوماتها ضدنا، واحتلالها لبلداننا ونهب ثرواتنا واستغلالنا هو العدالة، كان هو السبب المباشر الذي جعل عدالة المضطهدين منا تكون عنفا ضد تلك المجتمعات، ويجب أن يكفوا عن اعتبار الإرهاب هو سبب ما يحصل على اراضيهم وضد مصالحهم لدينا. فليس من حق الغرب أن يكتب قصائد شعر في هجاء الإرهاب وهجائنا، قبل أن يهجو إرهابه لنا ونظرته الدونية لنا، وتمريغ جباهنا وقيمنا ومقدساتنا في التراب.

إنهم بحاجة إلى عملية فحص ذاتي علمي لكل وسائلهم، وعليهم أن يسألوا أنفسهم لماذا كل هذه الجهود الكونية تذهب سدا في محاربة الارهاب، عندها سيتوصلون إلى نتيجة منطقية واحدة ألا وهي أنهم هم السبب في كل الذي يحصل في أرجاء المعمورة. عليهم أن يدرسوا وبحيادية تامة كيف ولماذا سجون بوكا وأبو غريب والمطار، التي أنشأوها في العراق، كانت أكاديميات عنف وحقد وضغينة عليهم وعلى غيرهم، حتى تخرّج منها الكثير من قادة الصفوف الاولى في المنظمات التي تتوسل بالعنف وسيلة لتحقيق الأهداف. كما أن عليهم أن يغادروا الاستخدام الاحادي للقوة العسكرية في معالجة هذه الظاهرة، لان استخدام القوة المفرطة كان سببا جوهريا في تنامي الحقد ضدهم، لأنها تصيب المجتمعات المدنية المسالمة بحالات التشرد والتهجير وقطع الارزاق، فالإرهاب تكتيك وليس عدوا، ومن الخطأ إعلان الحرب على تكتيك، لأن ذلك سيجر إلى حالة تورط كبير كما حصل في العراق وأفغانستان، حيث ربح الغرب الحرب فيهما تكتيكيا، لكنه تورط فيهما فكانتا مستنقعا استنزف دماءهم ومواردهم، وبقي بؤرة عنف وعنف مضاد حتى اليوم، رغم كل جهود التهدئة، فالحــــــروب بين القوي والضعيف لا يمكن قياسها، لأن الضعيف لا يوجـــد لديه شيء يخاف أن يخسره، خاصة عندما يكون على استعداد للموت، كما هي الحالة في التنظيمات الحالية، كما أن القوي سيذهب إلى استخدام القوة المفرطة فيصبح قاتلا للمدنيين وهو الأسلوب نفسه الذي يمارسه الطرف الاول.
إن الغرب مطالب وبقوة في أن يتصالح مع نفسه أولا، وأن يعترف بكل ظلمه وظلامه على أنهما سبب رئيسي لما جرى ويجري، كما عليهم أن يتصالحوا مع الحقائق التاريخية، ويعترفوا بالحقائق الجغرافية الظالمة التي وضعوها على أرضنا، ويجب أن يتخلوا عن انتقائيتهم التي يمارسونها حتى في العنف، فيعتبرون عنفهم ضدنا مبرر بينما عنفنا ضدهم غير مبرر. قد يستطيعون بقوتهم هزيمة أي قوة تقف بالضد منهم في كل أرجاء المعمورة، لكن ذلك لن يثبت لهم نصرا على الفكر الذي يسكن في العقول، بل وما الضامن في هذه البيئة العنفية التي يصنعونها هم، لا يولد تنظيم آخر أكثر قسوة من الذي دمروه أو سيدمرونه؟ ألم تبرعم «القاعدة» وتنمو براعمها في كل مكان، على الرغم من كل جهودهم لإفنائها؟

تعليقات