إعادة إعمار الفساد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

11/1/2015
القدس العربي
المؤلف: 

يُقال، في تعبير شائع وصائب، إن الفساد ليس شارعاً وحيد الاتجاه يسير فيه المفسَدون، إذْ يتوجب بالضرورة أن يسلك المفسِدون الضفة الأخرى من الشارع ذاته، لكي تكتمل المعادلة في جانبيَها. ولأنه ظاهرة عالمية حقاً، ويندر أن تنجو منه سلطة سياسية أو اقتصادية أو استثمارية، حتى حين تبدو الفوارق هائلة، بل فاحشة أحياناً، بين هذه الجهة أو تلك (على سبيل المثال: بين الدانمرك في المرتبة الأولى، والعراق في المرتبة 170، من حيث النزاهة)؛ فإنّ مسؤولية المفسِد قد تكون، في حالات عديدة، أشدّ وأبعد أثراً من مسؤولية المفسَد.

أكثر من هذا، مضى زمن ـ لم ينطوِ تماماً، في الواقع ـ شهد سلسلة «اجتهادات» اقتصادية، داخل صفّ التنظير الرأسمالي الحديث والمعاصر، لا تسوّغ الفساد والإفساد، وتبرّر حضور المفسَد والمفسِد، فحسب؛ بل تعتبر الظاهرة جزءاً لا يتجزأ من سيرورة التنفيذ، وتحتسب الأكلاف الناجمة ضمن عناصر ميزانية المشروع الطبيعية، بل الشرعية أيضاً! وبالطبع، سوف يرتدي الأمر بُعداً بنيوياً تخريبياً في قطاعات محددة من اقتصادات البلدان النامية، لأنّ المفسِد سوف يفضّل الاستثمار في ميادين سهلة الربح (كالبناء والاستهلاك والتصدير)، ويعزف عن تلك التي يكون جني الارباح فيها أقلّ أو أبطأ (مثل التعليم، وتطوير البحوث العلمية، والتنمية المستدامة).

ولم نعدم، أيضاً، تلك التنظيرات العجيبة التي رأت في الإفساد ظاهرة أنثروبولوجية وثقافية؛ كما حين اعتبرت دورية اقتصادية رأسمالية عريقة مثل «هارفارد بزنس ريفيو» أنّ تقديم الرشوة إلى هذا المسؤول أو ذاك، في الاقتصادات النامية إياها، ليس سوى «مكوس» لا تخصّ ذلك المسؤول/ الفرد وحده، بل هي هبة جماعية للمجتمع/ القبيلة. وتوزيعها، حتى إذا تمّ على نحو مستتر وغير شرعي قانونياً، هو «محاصصة» للثروة، يشمل أفراد القبيلة بنسب متفاوتة، ويُنفَق في مناحي تحسين أحوال القبيلة بأسرها!
وفي خريف 2004، بعد حلّ السلطة الائتلافية المؤقتة التي كان يقودها بول بريمر في العراق، اتخذ الكونغرس الأمريكي قراراً بتشكيل وكالة حكومية تتولى الإشراف على «صندوق تنمية العراق»، الذي أنشأه مجلس الأمن الدولي سنة 2003، ثمّ آلت مسؤوليته إلى العراق أواخر سنة 2007. وقد عُهد إلى ستوارت بوين برئاسة تلك الوكالة، بعد أن صار اسمه «المفتش الخاص لإعادة إعمار العراق»؛ لتحقيق أهداف «سامية»، مثل إعادة الإعمار الاقتصادي، والنزع المتواصل للسلاح، والإنفاق على الإدارة المدنية العراقية…

والحال أنّ تقرير بوين الختامي، الذي صدر تحت عنوان «التعلّم من العراق»، بعد انقضاء تسع سنوات على إنشاء وكالته، كان أشبه بمسرد مفصل لأنساق التبذير عن سابق قصد وتصميم، والإنفاق بلا حساب، وممارسة الرشوة على أوسع نطاق، وتوقيع عقود لإنشاءات وأشغال وهمية أو بلا هدف استثماري واضح؛ في خلاصة يختزلها رقم واحد: 60 مليار دولار من الهدر! على سبيل المثال، يسرد التقرير تحقيقات في 80 ملفّ فساد وإفساد، بينها النماذج التالية: مقاول مدني دفع أكثر من 2,8 مليون دولار من الرشاوى لضابط في الجيش الأمريكي، برتبة رائد، يعمل مسؤولاً عن العقود؛ وإقرار من شركة أمريكية كبرى بارتكاب مخالفات جنائية للحصول على عقد بقيمة 8,5 مليون دولار، لتوريد عربات أمنية؛ والحكم على موظف عقود في وزارة الدفاع الأمريكية، بالسجن لمدة 50 شهراً بسبب قبول الرشوة وارتكاب سلسلة مخالفات قانونية…

وهكذا فإنّ الشارع الذي شهد مرور هؤلاء، وسواهم؛ أتاح مرور مخترعي الجنود العراقيين «الفضائيين»، ومئات الحالات الأخرى من الفساد والإفساد، في مختلف القطاعات، خاصة النفط منها؛ حيث يندر للظاهرة أن تبدأ إلا من أعلى الهرم!