إيران… وماذا بعد؟

صورة العربي بجيجة

مقالات الكاتب

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

31/7/2015
القدس العربي

أثار الاتفاق النووي الإيراني الموقع منتصف شهر يونيو مع مجموعة 5+1 الكثير من الجدل من حيث أهميته ودلالاته، ومن ثم تداعياته على مستقبل العلاقات بين الأطراف الموقعة عليه، وبينها وبين الدول الشرق أوسطية على وجه الخصوص ومثيلاتها بشمال أفريقيا بصفة أعم، لما من شأنه أن يخلف من شد وجذب بين المنوهين بالاتفاق والمتحفظين عليه والمناوئين له، خصوصا في الفترة الحرجة التي تمر فيها المنطقة العربية والإسلامية خلال العقد الأول والثاني من هذه الألفية الدموية بامتياز.

وإن كانت الأهداف الحقيقية للاتفاق النووي لازالت مختفية بين بنود الاتفاق النووي الموقع في فيينا، وعبر تعابيره الفضفاضة، بعد مســار طويل وشاق من المفاوضات المعمقة والنقاشات الموسعة التي أطالت بعمرها سنوات الأزمة بين إيران والغرب، ومن ثم تكريس تمظهراته المتناقضة في دول منطقة الشرق الأوسط، من خلال الضغط على هذه الدولة أو تلك للتأثير على مخرجات القرار أو الاتفاق، بما يتوافق مع متطلبات المرحلة وحساباتها السياسية طبعا، وقدرتها على تغيير موازين القوى، سواء لصالح إيران أو الغرب، لمن أجاد اللعب بأوراقه وتوظيفها بالمكان والزمان المناسبين وبالطريقة المطلوبة.

بهذه المعادلة طبعا استمر نقاش الملف النووي الإيراني، واستمرت معه لعبة الأوراق بفاعليها المتعددين، بين مساند لهذا الطرف أو ذاك، وبين مكتف بالتفرج ومحتفظ لنفسه بأحقية مباركة الفائز، بعد انتهاء الجولة الأولى من صراع التوازن العسكري والاقتصادي، الساعي لخلق قوة تفرض موازين للقوى مع الغرب، والمغلفة بملف التفاوض الدبلوماسي لحل الأزمة النووية الإيرانية. 
لقد مثل الاتفاق النووي الإيراني بكل ما يحمل من مضامين، دلالة مهمة في السعي لتغيير موازين القوى داخل المنطقة وتفاعلاتها مع القوى الحية خارجها، من خلال اللعب على وتر التناقضات البيّن منها والخفي، وكذا الميول إلى تبني منهج «الدفع المرصود»، عـــــبر إرغام بعض الدول الفاعلة بالمنطقة على تغيير قناعاتها وتوجهاتها من العديد من القضايا التي كانت بالنسبة لها إلى اليــوم مبدئية تمثل عقيدة في الاستمرارية والحضـــــور الدولي الوازن، خاصة القضايا المرتبطـــة بنشـــأة وتوليد «ظاهرة الإرهاب» وتوفير سبل استقراره وتغذيته، والموقف من قضية القدس الشريف وحل القضية الفلسطينية، ثم العلاقة مع الكيان الصهيوني في الجزء المحتل من فلسطين.
وما يدعم هذا الطرح هو التطور المتناقض من المسار الذي أحكم العلاقة التفاعلية بين القوى الدولية الفاعلة بالمنطقة، حيث ارتبط هذا التوجه بالاعتماد في مرحلة أولى على تبني منهج إبراز الأقطــــــاب في المنطقة (المملكة العربية السعودية / الجمهورية الإسلامية الإيرانية)، أما المرحلة الثانية فتعمل حاليا على الانخراط في مرحلة الصراع بين هذين القطبين، على أساس التمهيد للشروع في الدخول في المرحلة الثالثة، التي ترتكز على تقوية النفوذ الإيراني على توجه إمارات ومماليك الشرق الأوسط. 

وإن كان الصراع في المرحلة الماضية بين الغرب وإيران اتخذ أشكالا متعددة، أظهرت مستوى التصدع والتباين الحقيقي بين توجهات الأطراف، عززه تحالف الغرب مع الأنظمة العربية بالدول الخليجية لمواجهة «المد الشيعي» بالمنطقة ووقف زحفه على الجيران، بالإضافة إلى تكسير القوة النووية الإيرانية الصاعدة، إلا أن ذلك ليس في عمقه سوى تمويه سياسي بين من يدركون جيدا ألاعيب السياسة وفنون إدارتها، سواء المشروع منها وغير المشروع، وقد نجحوا في ذلك، عبر تقديم توصيف لدى الرأي العام العربي والإسلامي بكون الدولة الإيرانية هي مثال للدولة المقاومة والممانعة لسياسات الغرب وأشد المدافعين على الإسلام وشؤون المسلمين.

وتجد هذه الدعاية أساسها لأجل فصل الشعب عن النظام السياسي القائم، أو إحداث تصدع بين الفئات الشعبية وانقسام آرائها بين مؤيد لهذا الفكر ومعارض لذلك التوجه، مما يفقد النظام السياسي قوته في تدبير السياسة الخارجية أمام غياب توافق سياسي موحد في حاضنته الشعبية، الشيء الذي ينجم عنه إضعاف آلة صناعة القرار في الدول الخليجية وضياع بوصلة الإجماع في تحديد اختياراتها وضبط توجهاتها السياسية والدبلوماسية.
ويرتبط هذا التوجه في ما يهدف إليه إلى خلق تحالف حقيقي بين الغرب وإيران، يقوم على أساس تغيير معالم الصراع الماضي برهانات التعاون لأجل المستقبل، وستبرز العقود القادمة مظاهر هذا التوجه، الذي ستشكل فيه الدولة الإيرانية أكبر قوة سياسية واقتصادية وعسكرية، وستتطور العلاقات بين الغرب وإيران لاعتبار أساسي، كون العالم تحكمه لغة المصالح المشتركة بين هذه الدول، عبر تقوية العلاقات الصناعية والتجارية وتبادل الخبرات والتجارب المتطورة في الميادين التكنولوجية والصناعات الكبرى، وتعد أهم ضمانة ستمنح في هذا المجال (كصك) لهذا التعاون هو حماية أمن «الكيان الصهيوني»، من خلال محافظة إيران على توجهاتها المناهضة للاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين المقدسة، على أن تبقى هذه التهديدات مجرد فرقعات إعلامية لا ترقى للتفعيل العملي والمواكبة الميدانية. في مقابل الرفع التدريجي من مظاهر الحصار العسكري والاقتصادي والسياسي المفروض على إيران خلال العقد المقبل، إن هي التزمت بمخرجات الاتفاق وعملت على تفعيل بنوده، وطبعا بدون أن يكون الغرب مسؤولا عن الشروع في احترام واجباته المتوافق حولها إلا بفرضه لمعادلات أخرى قد تضيع معها بوصلة السلم والأمن بالمنطقة.
فهل لازالت العهود والاتفاقيات الناجمة عن توافقات تمثل مسؤولية سياسية وأخلاقية للموقعين عليها، بقدر الحرص على الالتزام بها ووضعها موضع التفعيل الجدي، بدل أن تكون معيارا يميل كفة ميزان الحسابات الانتخابية والانجازات الحزبية والمزايدات السياسية؟.

وهل سنسمع في الغد عن اتفاق جديد بين الغرب وروسيا، وبين الغرب ودول أمريكا الجنوبية المناهضين لسياساته، على غرار اتفاقي طهران وهافانا. وفق ما تمليه طبيعة المرحلة من توافقات سياسية إستراتيجية وتجاذبات دبلوماسية تكتيكية، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون توجها يأخذ منحى التمايز الجغرافي ومطلب الأولويات المرحلية؟

تعليقات