إيران تذكّرنا: الاتفاق لا يزال في جيبي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

15/6/2017
القدس العربي
المؤلف: 

تعاملت إيران ببرود نسبي مع ذلك التحشيد غير المسبوق ضدها، الذي جعل من تقويض وتحجيم نفوذها بنداً أساسياً من بنود القمم التي جمعت رئيس الدولة الأكبر مع مجموعة كبيرة من زعماء العالمين العربي والإسلامي. لم تطلق دولة الملالي سوى تصريحات مقتضبة بانتظار ما سوف يسفر عنه هذا التحالف الجديد المرتقب.

يشبه ذلك الطريقة الهادئة التي استقبلت بها طهران تصريحات ترامب الحماسية والمعادية، قبيل فوزه بالرئاسة، رغم تماديه في وصفها بالشريرة، ووصف الاتفاق النووي معها بأنه «الصفقة الأسوأ على الإطلاق». 
كانت السلطة في طهران تعتبر أن من التسرع الحكم على مرشحٍ انطلاقاً من تصريحاته الانتخابية، وفضلت التريث والرهان على المتغيرات. وبالفعل، ورغم أن ترامب كان مصراً على موقفه من إيران واتفاقها «السيئ» بعد توليه السلطة، إلا أنه سرعان ما اكتشف أنه لم يكن بإمكانه فعل أي شيء جدي لإيقافه، وأن كل ما يمكنه هو فرض عقوبات أمريكية جديدة ضد مؤسسات إيرانية. هنا فقط ردت إيران بغضب، معتبرة أن هذه العقوبات غير مبررة وتتناقض مع جوهر الاتفاق مع الغرب، وأن التمادي فيها هو بمثابة دعوة إلى المواجهة. 

لم يستطع دونالد ترامب التمادي في تحدي الدولة، التي تمتلك قوة كافية لإزعاج بلاده عبر استهداف حلفائها أو تهديد مناطق نفوذها. من جهة أخرى أجمعت مراكز التفكير وصنع القرار الأمريكية على منع الرئيس الأمريكي من القيام بأي خطوة متهورة، كضرب مواقع في الداخل الإيراني مثلاً. شرحت تلك المراكز أن إيران تمتلك من الأدوات والمفاتيح الإقليمية ما يجعلها قادرة على خلق الكثير من الفوضى التي سوف تضر بشكل مباشر بالأمن القومي الأمريكي. 

مما لا ينسى في هذا السياق التصريح الذي أدلى به القيادي في الحرس الثوري الإيراني أحمد كريم بور، والذي قال فيه إن إيران حددت جميع المراكز المهمة في الكيان الصهيوني، وإنها قادرة على استهدافها وتدميرها في غضون سبع دقائق وثلاثين ثانية في حالة التعرض لاعتداء.
لمثل هذه التصريحات أكثر من فائدة، فهي تساهم في تردد الغرب والولايات المتحدة إزاء أي محاولة لاستهداف طهران من جهة، ومن جهة أخرى هي مهمة من أجل التسويق للقوة الإيرانية الضاربة داخل معسكر ما يسمى بالمقاومة. لماذا لا يستهدف الإيرانيون تل أبيب فعلاً، ويرمونها خلال بضع دقائق في البحر، كما يصرحون، إذا كانوا قادرين على ذلك؟ لماذا يلجأون إلى طرق ملتوية وغير مباشرة، من قبيل دعم حزب الله اللبناني، أو الاكتفاء بإسناد الإمكانات الضعيفة والمحدودة لحركات المقاومة؟

الإجابة تكمن في انعدام الإرادة، فبالإضافة لردود الأفعال الدولية التي قد تدخل البلاد في مواجهات مدمرة، فإن بقاء الكيان الصهيوني عامل مهم تستخدمه وتستغله طهران، التي تشرعن تدخلاتها وسياساتها استناداً إلى أدبيات العداء للصهيونية. وسواء بالنسبة للحركة الحوثية التي تتخذ من شعار «الموت لاسرائيل» شعاراً أو «فيلق القدس» الذي يرعى التدخل الإيراني في سوريا، تبقى المتاجرة بالقضية الفلسطينية حاضرة.

من هنا تأتي أهمية الوشائج التي تربط طهران بحركات المقاومة، ففي مثل هذه الحالات التي لا يجرؤ فيها نظام الولي الفقيه على استهداف أهداف صهيونية بشكل مباشر، نراه يعمد إلى الاستثمار في الحركات التي تعادي الاحتلال على الأرض وتملك القدرة على إزعاجه. الخطورة تكمن في تحول هذه الحركات من مجرد متلقية لدعم مالي وعسكري سخي، إلى ذراع جديد من أذرع النظام الإيراني، كما هو الحال بالنسبة لميليشيات حزب الله اللبنانية.
انطلاقاً من سوريا، استطاعت طهران، مستفيدة من القوة التي منحها لها الاتفاق، خلق تشابكات إقليمية مهمة، كما استطاعت ربط مصلحتها الخاصة بمصالح جهات إقليمية ودولية مختلفة، بحيث تكون مساندة لها دبلوماسياً وسياسياً، في حال تعرضت مصالحها للخطر. كل ذلك يجعل من استهداف إيران مسألة معقدة، حتى في وجود الرغبة الأمريكية، ناهيك عن وجود اتجاه مؤثر في الداخل الأمريكي عرف بدعمه لهذا الاتفاق، بما أصبح يشكل حالياً شيئاً أشبه باللوبي الإيراني، الذي يضم شخصيات ترى في نقضه خسارة كبيرة على صعيد الأمن والسلم الدوليين. شخصيات من بينها على سبيل المثال وزير الخارجية السابق جون كيري، الذي يعد الاتفاق إنجازاً شخصياً له، والذي يموّل مؤسسة مهمتها الأساسية الترويج لهذا الاتفاق والتحذير من مغبة إفشاله.

«ترامب يريد أن يصد إيران، ولكن إيران الآن أقوى من أي وقت مضى». هذا هو، وبشكل حرفي، عنوان التقرير الذي نشرته صحيفة «الواشنطن بوست» في الخامس من فبراير الماضي، تعليقاً على تهديدات الرئيس الأمريكي. يوضح التقرير أنه وبخلاف شبكة الربط الاقتصادي والسياسي، التي أنشأتها طهران عقب الاتفاق ورفع العقوبات، فإن نظام الملالي استطاع فعلاً تطوير قدراته العسكرية ومدى صواريخه، بحيث يستطيع أن يهدد بجدية الوجود والقواعد الأمريكية في المنطقة، إضافة إلى دخول الكيان الصهيوني نفسه ضمن مرمى النيران.
ليس في الأمر مبالغة، وحين نتحدث عن جمهورية الولي الفقيه فإنه يجب علينا بالضرورة أن نستحضر توابعها القريبة من ممرات ومناطق داخل حدود التواجد الأمريكي في الخليج واليمن ولبنان، التي هي رهن الإشارة للتوظيف والتفعيل. 

التشابكات متعددة ويكفي أن نتذكر أنه، رغم كل شيء، فإن النغمة الترامبية المهددة لم تجد من الأطراف الدولية من يساندها. روسيا التي تخوض حلفاً استراتيجياً مع إيران أعلنت أكثر من مرة، أنها لا تعتبر حليفتها داعمة للإرهاب، كما أنها لا تراها قد خرقت الاتفاق، حتى حين تجري تجربة باليستية. الاتحاد الأوروبي لا يعد من الداعمين لسياسة عقوبات قاسية، ناهيك عن دعم مواجهة عسكرية، لارتباطه الحالي مع السلطة الإيرانية باتفاقيات بملايين الدولارات.

أكثر من ذلك فإن تركيا نفسها وهي البلد السني المحوري، يبدو وكأنها تفضل النأي بنفسها وعدم الدخول في أي مغامرة متهورة قد تضر مصالحها الاقتصادية مع إيران. وإذا تحدثنا بلغة المصالح و»البزنس» التي يعرفها الرئيس الأمريكي وسياسيوه المقربون من طبقة رجال الأعمال، فإننا سندرك أن الخسارة لن تكون على الأطراف الأخرى فقط، ولكن أيضاً ستقع خسائر مهمة على الجانب الأمريكي، حيث تستعد عشرات الشركات للدخول بقوة إلى السوق الإيراني الخصب، الذي لا يتميز فقط بالكثافة السكانية، ولكن أيضاً بالدور المهم على صعيد سوق الطاقة، حيث تتمتع إيران بمركز متقدم عالمياً على صعيد إنتاج النفط الخام والغاز الطبيعي.
لوجود كل هذه التشابكات نبعت فكرة إنشاء حلف دفاعي من المتضررين من التمدد الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، وتسمية الشرق الأوسط مقصودة، لأن الطموح الأمريكي يكمن في إدخال «الكيان» الذي يتشارك الهواجس ذاتها مع غيره من الدول العربية.

كما قلنا في البداية فإن إيران اكتفت بالمراقبة وانتظار ما سوف تؤول إليه الأمور، وإن كانت قد سمحت لبعض أذرعها كأبي مهدي المهندس قائد الحشد الشعبي/الشيعي بالتلويح بقدرتهم على الوصول إلى الرياض كهدف أخير. لحسن حظ إيران التي كانت في مرحلة ترتيب الأوراق، مع بدء حقبة جديدة للرئيس روحاني، فإنه لم تمض أيام على ذلك الاجتماع الحاشد حتى دب الخلاف بين أركان ما سمي مجازاً «بالناتو العربي» ليبدو وكأن الهدف كان تعميق الخلافات البينية وليس التوحد تجاه «خطر مشترك». راقبت طهران الأحداث بهدوء داعية الأشقاء للتحاور. ربما كانت تحمد الله على قدرها الذي جعلها تواجه تحالفات مجبولة على الشقاق ورفض الاتفاق. الآن يبدو أن ذلك المشروع الطموح للتنسيق الإقليمي ضدها قد تبخر أو، على أحسن الأحوال، قد تأجل حتى حين، وللغرابة دون أن تبذل المقصودة حيال ذلك أي جهد.

تعليقات