استراتيجية ردّ الصاع

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

05/ 07/ 2014
القدس العربي
المؤلف: 

يعلّمنا التاريخ أنّ بين أشدّ خلائط السياسة خطرا، وشذوذا وغرابة وانعدام استقرار، هذه الخلطة التالية التي تعيشها الولايات المتحدة راهنا: أنها تسعى إلى أن تكون، في آن معا، ديمقراطية داخلية وإمبريالية خارجية. وفي توصيف طبائع هذا المزيج كان شالمرز جونسون، أحد ألمع متابعي مخاطر صعود الإمبراطورية الأمريكية، قد كرّس حياته ومؤلفاته.
ومن الإنصاف القول إنّ افكار جونسون تندرج ضمن تيار عريض ناقد، من مواقع جيو ـ سياسية ونظريات جيو ـ استراتيجية ومشارب إيديولوجية متباينة، للنزعة الإمبراطورية ـ العسكرية التي تبلورت مبدئيا في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، وتعاظمت وبلغت ذروة قصوى في إدارات جورج بوش الأب والابن، دون أن تنقطع تماما أو تتوقف في إدارتَيْ بيل كلنتون وباراك أوباما، رغم المظاهر التي قد تفيد العكس للوهلة الأولى.

وفي استكمال ما يسمّيه «أوديسة تحليل» الإمبراطورية الأمريكية، كان جونسون قد أجرى مجموعة أبحاث حول شبكة من 737 قاعدة عسكرية أمريكية هنا وهناك في العالم (واستناداً إلى إحصائيات وزارة الدفاع الأمريكية ذاتها)، فاتضح له التالي: مع استثناء العراق وأفغانستان (وتخيّلوا دلالة هذين الاستثنائين!)، تنشر أمريكا أكثر من نصف مليون جندي أو جاسوس أو متعاقد أو تابع، في قواعد عسكرية داخل أراضي أكثر من 130 بلدا، معظمها خاضعة لأنظمة دكتاتورية لا رأي البتة لمواطنيها في إقامة تلك القواعد.

وقبل رحيله، في خريف 2010، كان جونسون قد اختتم ثلاثيته الشهيرة التي عُرفت باسمها المختصر «ردّ الصاع Blowback»؛ ليس لأنّ المفردة تناسب مزاج الغطرسة العسكرية والنزوعات الثأرية لدى الحالمين بالإمبراطورية الأمريكية وصانعي قراراتها، فحسب؛ بل لأنها، أيضا، مفردة شائعة لدى أوساط الاستخبارات الأمريكية، وفي قطاع العمليات السرّية تحديدا. إنها تعني الانتقام ممّا حاق بالولايات المتحدة من أذى على يد جهات معادية، أيا كانت عقائدها وتكويناتها وأصولها ووسائلها؛ بقدر ما تعني عمليات الثأر الخارجية السرّية المنظمة، غير القانونية وغير المشروعة والمحرّمة دوليا وحسب التشريعات الأمريكية ذاتها، والتي يتمّ إخفاؤها تماما عن الرأي العام والجمهور.

وبالطبع، في رأس لائحة «ردّ الصاع» تندرج عمليات إسقاط الحكومات الشرعية التي يبغضها البيت الأبيض لألف سبب وسبب، وتدريب ضباط الاستخبارات من بلدان أخرى («حليفة»، «شبه حليفة»، أو حتى معادية لأمريكا في العلن واللفظ فقط) على تقنيات إرهاب الدولة، وتزوير الانتخابات في البلدان التي تنذر بصعود قوى معادية للمصالح الأمريكية، أو افتعال أزمات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية تزعزع استقرار البلدان المستهدفة، فضلاً عن تنظيم عمليات الاغتيال مباشرة أو عن طريق وسطاء عملاء…

ويقول جونسون: «حقيقة إبقاء تلك العمليات سرّية، في البدء على الأقلّ، تعني أنّ انكشاف العملية الثأرية ـ كما حدث على نحو استعراضي بعد 11/9/2001 ـ يجعل الجمهور الأمريكي عاجزا عن وضع الأحداث في سياقاتها. وليس مفاجئا، إذا، أنّ الأمريكيين يدعمون أفعال الانتقام الفورية السريعة الهادفة إلى معاقبة المذنبين، الفعليين أو المزعومين. ولا تقوم برهة الانفلات الثأرية تلك إلا بتعبيد الأرض لجولة جديدة من ردّ الصاع.»

غير أنّ الرياح تأتي، غالباً، بما لا تشتهي هذه الاستراتيجية، بل يحدث أحيانا أن تأتي بما هو أسوأ؛ كما في مثال أوباما و»القاعدة»: تنجح واشنطن في اغتيال أسامة بن لادن، فيظهر لها أبو بكر البغدادي على رأس «داعش»؛ حيث تقول المفارقة الصارخة: ردّت أمريكا الصاع في الباكستان، فارتدّ عليها في العراق… أشدّ وأمضى!