الاتفاق النووي الإيراني: رهانات الداخل قبل مغامرات الخارج

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

17/7/2015
القدس العربي
المؤلف: 

أيسر القراءات، بصدد الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة الـ 5+1 ـ وهي، أغلب الظنّ، أردأ القراءات وأشدّها تبسيطاً وتسطيحاً ـ تلك التي تخصّ أحد الطرفين بانتصار، تامّ أو يكاد؛ وتخصّ الطرف الموازي بالنقيض، استطراداً، أي التنازل والخسران والهزيمة. ومن حيث المبدأ، وفي ضوء ما هو ظاهر حتى الساعة من بنود الاتفاق، وفي انتظار تطبيق ما اعتُبر في حكم العاجل على الأقلّ، حتى يحين أوان الآجل؛ يمكن القول، دون كبير حذر، أنّ الشعب الإيراني ـ قبل الدولة، أو النظام، أو حتى مؤسسة ولاية الفقيه ـ هو الرابح الأوّل، والأكبر، من اتفاق يرفع عن كاهل المواطن الإيراني العادي أثقال سنوات ممضة من العقوبات الاقتصادية، التي كانت ـ مثلّ كلّ العقوبات المماثلة، على مدار التاريخ ـ تؤذي المحكوم ولا تمسّ الحاكم. كذلك فإنّ المليارات التي كانت تُنفق على برنامج نووي عسكري، سوف تنقلب إلى مليارات مستثمَرة في قطاع يدرّ الخير على ذلك المواطن الإيراني إياه، إذا تحوّلت إيران إلى بلد منتج للمواد النووية، مثل اليورانيوم المخصب والمياه الثقيلة.

هذه الخلاصة مرهونة، غنيّ عن القول، بتطورات النظام السياسي الإيراني على صعيد داخلي، خاصة في أطوار ما بعد المرشد الحالي علي خامنئي، ومآلات الإصلاح مقابل التشدد الديني، وانفراج القوانين، وتعزيز الحرّيات العامة؛ ومرهونة، كذلك، بمستقبل حروب طهران الخارجية، في سوريا والعراق ولبنان واليمن، فضلاً عن برامج التدخّل ذات الصفة المذهبية في أماكن مختلفة على امتداد المنطقة. لكن المرء يأمل في، وقد تجوز المراهنة على، أنماط إيجابية لتفاعل الشارع الشعبي الإيراني مع آثار رفع العقوبات، بحيث يلتفت المواطن إلى هموم الداخل بدل الانغماس، شبه القسري أحياناً، في مشكلات خارجية ناجمة عن علاقة التوتر مع العالم الخارجي، سواء لجهة الولاء أم العداء. يجوز أيضاً، في المقابل، ذلك الترجيح الآخر حول ردود أفعال النظام، خاصة عند الهرم الأعلى الذي تحتكره مؤسسة المرشد العام: أي أن يزداد المتشددون تشدداً، بدل أن يعتدلوا، مسلّحين بما يوفّره رفع العقوبات من إمكانيات كانت مجمدة، أو وسائل كانت معطلة، أو بؤر كانت خامدة. 

منطقي، والحال هذه، أن يسفر الاتفاق عن استقطاب جدلي، قد يصبح حاداً بالفعل، أو حتى تناحرياً، بين فريق الإصلاح والاعتدال (مجموعات شتى، تبدأ من الرئيس الأسبق محمد خاتمي، وتمرّ برئيس مجمع مصلحة تشخيص النظام هاشمي رفسنجاني، ولا تنتهي عند الرئيس الحالي حسن روحاني) من جهة أولى؛ وفريق التشدد (الذي يحتمي، جوهرياً، بالمرشد الأعلى، ويبدأ من كبار مساعديه، ليمرّ بقادة «الحرس الثوري»، ولا ينتهي عند كتلة آيات الله)، من جهة ثانية. وهكذا، فإنّ «المكاسب» أو «الخسائر»، طبقاً لتأويلاتها عند هذا الفريق أو ذاك، سوف تشكّل روافع كبرى لترجيح كفّة الاعتدال أو التشدد، ليس خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، فحسب؛ بل على امتداد السنوات الخمس التي يتوجب أن تنقضي قبل أن يُرفع حظر التسلّح عن إيران، بافتراض أنّ مجموعة الـ 5+1 سوف تكون راضية عن وفاء طهران بما نصّت عليه بنود الاتفاق من تعهدات.

ليس سهلاً، ولا هو بالأمر العابر، إهمال تأثير الضغوطات التي سيخضع لها الفريق المتشدد إزاء اتفاق يسير على نقيض عقود من التبشير ضدّ «الشيطان الأكبر» متجسداً في أمريكا، و»الاستكبار العالمي» متمثلاً في الغرب عموماً. فكيف إذا كان الاتفاق ينتزع من إيران هذه «المكاسب»، على سبيل الأمثلة: خفض نسبة تخصيب اليورانيوم من 5٪ إلى 3.67٪؛ عدم بناء منشآت جديدة للتخصيب، وإيقاف إنتاج مواد انشطارية في منشأة فوردو، طيلة 15 سنة؛ تخفيض مخزون اليورانيوم الضعيف من 10.000 كغ حالياً، إلى 300 كغ فقط؛ الاكتفاء بمفاعل نطنز للتخصيب، والإبقاء على 5060 جهاز طرد من طراز أدنى، ووضع جميع اجهزة الطرد الأخرى تحت تصرّف الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ تكليف هذه الوكالة بمراقبة جميع المواقع النووية الإيرانية، وتعزيز صلاحياتها؛ السماح لمفتشي الوكالة (على نقيض من تعهدات خامنئي نفسه) بالدخول إلى مواقع عسكرية غير نووية؛ وعدم السماح لإيران ببناء أيّ مفاعل جديد للمياه الثقيلة طيلة 15 سنة…

وليس سهلاً، ولا هو بالأمر العابر، أن يتفاخر أهل الاعتدال على أهل التشدد بإنجاز التالي، على سبيل الأمثلة أيضاً: الإبقاء على إنتاج المياه الثقيلة في مفاعل أراك، والسماح بتحديثه وتطويره؛ دخول إيران إلى السوق العالمية لإنتاج الموادّ النووية، وإلغاء الحظر المفروض عليها منذ 35 سنة؛ إلغاء الحظر على القطاعات المصرفية والمالية والنفطية والغازية والبتروكيماويات والتجارة والنقل والمواصلات؛ استبدال حظر إنتاج الصواريخ الباليستية بحظر على إنتاج الصواريخ حاملة الرؤوس النووية فقط؛ إلغاء الحظر على التسلح، بعد 5 سنوات؛ إزالة حظر المعدات الحساسة أو المعدات متعددة الاستخدامات؛ إلغاء حظر دراسة الطلبة الجامعيين الإيرانيين، في الأقسام والفروع المرتبطة بالطاقة النووية؛ إلغاء حظر شراء الطائرات المدنية، والسماح بتحديث الأسطول الجوي الإيراني؛ الإفراج عن عشرات المليارات من الأصول والعوائد الإيرانية المحتجزة في الخارج؛ إزالة الحظر المفروض على قرابة 800 من المؤسسات والمصارف الإيرانية…

يتوجب، إذاً، انتظار الكثير من الشدّ والجذب حول هذين الاستقطابين، داخل إيران الشعبية في المقام الأوّل؛ ثمّ في قلب مؤسسة النظام، الحكومية والعسكرية والأمنية، ثمّ في هرمها الأعلى حيث يتربع خامنئي، وتكمن خلف كرسيّه نُذُر معارك طاحنة حول خلافته. أمّا في الخارج، فإنّ خضوع إيران للعقوبات الاقتصادية، وانحطاط اقتصادها، وانحدار مستوى معيشة مواطنيها، وهبوط القيمة الشرائية لعملتها الوطنية، واهتزاز ميزانياتها نتيجة انخفاض أسعار النفط… كلّ هذا لم يمنع طهران، أو كتلة التشدد على وجه أدقّ، من خوض مغامرات عسكرية ومذهبية قاتلة، في سوريا والعراق ومواقع أخرى. كذلك فإنّ حظر التسلّح لم يمنع الجيش الإيراني من تطوير أسلحة فعالة، تقليدية أو سواها، بما في ذلك محاولة تقليد صواريخ S-300 الروسية، التي أوقفت موسكو تسليمها استناداً إلى قرارات الحظر الدولية.

خلال الشروط الصعبة، ذاتها، ظلّت طهران تساند نظام بشار الأسد، بالمال والعتاد والرجال؛ بل أصدر خامنئي تكليفاً شرعياً يُلزم «حزب الله» اللبناني بقتال الشعب السوري، تحت ذرائع زائفة أتت على آخر ما كان قد تبقى في رصيد حسن نصر الله من شعارات «ممانعة». ولن يتغيّر الحال كثيراً، بعد أن تسترخي طهران مالياً واقتصادياً؛ اللهم إلا أن تكون الـ35 مليار دولار (التي كانت إيران، تحت العقوبات الاقتصادية، تنفقها سنوياً لمساندة نظام الأسد، حسب فايننشيال تايمز»)، قابلة لزيادة 10٪ مثلاً! كذلك كان الجنرال قاسم سليماني يمارس مهامه القيادية، ويشرف على تهريب السلاح والعتاد للنظام السوري، في ذروة حظر التسلح المفروض على إيران؛ وبالتالي لن تختلف الوتيرة هذه إلا بمعنى تخفيف بعض القيود، وتحسين شروط التسليم، الأمر الذي لن يبدّل المعادلات العسكرية على الأرض، أكثر مما تبدلت منذ دخول «حزب الله» و»الحرس الثوري» و»عصائب أهل الحقّ» طرفاً رئيسياً في كسر الانتفاضة الشعبية.

«لا يجوز لإيران أبداً، تحت أيّ ظروف، أن تسعى إلى، أو تطوّر أو تمتلك، أية أسلحة نووية»، هذا هو النصّ/ الخلاصة الكبرى في اتفاق فيينا؛ وعلى هذا الجوهر سوف تدور دوائر الاستقطابات الداخلية في إيران، قبل المطامع الخارجية جمعاء.

تعليقات