التحالف والدولة ومصافي البترول

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

29/9/2014
القدس العربي
المؤلف: 

أحاجي وألغاز، أقل ما توصف به أحداث المنطقة الآن، في سوريا والعراق وليبيا واليمن. في بداية ظهور «داعش» في سوريا اعتقد الجميع انه تنظيم من صنع وأنتاج وأخراج النظام السوري، وما زال الكثيرون يعتقدون ذلك ويفسرون الأمر على أن التنظيم خرج عن الدور المرسوم له وتمدد. اذا كان الوضع كذلك فلماذا يتردد بعض قيادات الجيش السوري الحر في خوض الحرب البرية لاحقا ضد تنظيم الدولة، فيتخلصون من إحدى اذرع النظام لأضعافه، أم أنهم خائفون من أن تستنفد قواهم في معركة طويلة لا يعرف أحد نتائجها.

النظامان السوري (الأسد) والعراقي (المالكي) بالاضافة الى النظام الايراني وحزب الله ملأوا الدنيا ضجيجا بإعلامهم أن السعودية وأمريكا وباقي دول الخليج هي من صنعت «داعش»، وإذا حاججتهم الآن فإنهم يقولون إن «داعش» خرج عن دوره المرسوم له، وتمرد وتمدد وأصبح خطرا عليهم، لذا فإنهم يحاربونه الان في تحالف امريكي، اوروبي وعربي خليجي وغير خليجي وتركي الى حد ما، ويضربون مثلا ان بن لادن صنع امريكا والسعودية، ثم انقلب عليهما فانقلبتا عليه وعلى قاعدته، ثم وصلوا اليه في مخبأه وقتلوه ودفنوه في البحر بعد ان صلى عليه إمام من الجيش الامريكي.

الغريب في الامر ان هذا التحالف الدولي جاهز دائما، تبدأ الدعوة الى الانضمام من امريكا، ثم تبدأ الدول تباعا بالتهافت للانضمام، وكلنا يتذكر ايام افغانستان والعراق، فدول الخليج خوفا من الخطر القادم تدفع نصيبها من فاتورة الحرب، وعلى امريكا ان تقدم لها الايصالات بأسعار الصواريخ والقنابل زائدا الضريبة، وربما رواتب الطيارين والفنيين. أما في الحالة الاوروبية فإن الامر يختلف قليلا، فلا بد للديمقراطية ان تتجلى ويصوت مجلس اللوردات البريطاني مثلا تأييدا للحاقّ بالتحالف، على ان الامر قد لا يخلو من اتفاقيات سرية بين امريكا واطراف اوروبية لتقاسم التركة لاحقا، مثل عقود التنقيب عن النفط وتكريره وشحنه وتصديره والتستر على الرشاوى والاختلاسات، كما حصل في العراق بعد فقدان 8 مليارات من الدولارات، لا يجرؤ أحد على الكشف كيف تبخرت او طارت بسرعة الضوء الى حسابات سويسرية سرية، أين يسري فودة لها ليصير الامر مكشوفا بدل «سري للغاية».

الامر الآن لا يختلف في سوريا عما كان عليه في العراق، الحكاية الامريكية مكررة ومملة، كأفلام الكاوبوي، عدا بعض الرتوش هنا وهناك للإثارة، تبدأ بالتضخيم والتهويل، كما حصل مع صدام وحكاية اسلحة الدمار الشامل، التي عرفت في ما بعد باسلحة الخداع الشامل، ثم جولات مكوكية لوزيري الدفاع والخارجية الى عواصم معروفة لأقناعها بالانضمام، دول ترفض ثم لا تلبث ان توافق في دراما هوليوودية مستنسخة، ثم تبدأ الحلقة الاولى بالضربات الجوية، ثم لا ينفك الخبراء العسكريون يتحاورون على الفضائيات العربية والغربية، والكل متفق على ان الضربات الجوية وحدها لا تكفي، وأنه لا بد من الحرب البرية، وهنا يبرز التساؤل الابدي من يعلق الجرس؟

امريكا تعرّف الارهاب كما تشاء، وتضع لوائحها بالمنظمات الارهابية ولاحقا تبصم عليها اوروبا بدون تعديلات. في البداية اعلنت الحرب على «داعش» ثم ما لبثت القائمة ان ضمت معظم التنظيمات الاسلامية العسكرية في سوريا، في خطوة الهدف منها القضاء على الاسلام العسكري «الراديكالي» وفي خطوة استباقية للقضاء على الاسلام السياسي المعتدل او الوسطي.

هل قام تنظيم «داعش» باعمال اجرامية اكثر من مذابح نظام الاسد؟ أم ان ذبح مواطنين امريكيين وآخر بريطاني هي جرائم ابشع من قتل نظام الاسد لما يقارب الـ200 الف مواطن سوري، فلماذا لا تقصف امريكا مراكز القيادة لنظام الاسد، أليس ما قام به الاسد ارهابا، او افظع من ذلك جرائم ضد الانسانية، أم انها لم تعّد البديل السوري، كرزاي بعد، كما اعدت عدة كرزايات عراقية، تبدلهم كأوراق اللعب كما تشاء.

أليس ما قام به الحوثيون في صنعاء ارهابا ضد الدولة واليمنيين؟ أم ان الاولوية للقضاء على «داعش» واخواته، ثم لكل حدث حديث. وماذا عن اللواء حفتر المنشق عن الدولة، أم ان ما يقوم به مباح طالما انه يحارب الثوار المسلمين الذين تعتبرهم امريكا متطرفين، بل ارهابيين. وماذا عن اسرائيل ألا تمارس الارهاب ضد الفلسطينيين وقتلت في حربها الاخيرة على غزة ما يزيد عن 1200 فلسطيني، معظمهم من النساء والاطفال بدم بارد، ما زلنا ننتظر من امريكا تعريفا واضحا للارهاب وعقابا مماثلا لكل من تنطبق عليه المواصفات. قد يقول قائل إن تعريف الارهابي بسيط وهو: هو من يقتل مدنيا آمنا عامدا متعمدا وليس في ساحة حرب، ولكن امريكا قد يكون لها تحفظات عليه ويحتاج الى تعديل طفيف، فالارهابي هو: المسلم الذي يقتل او يفكر بقتل، او يتعاطف مع، او يمول مدنيا او عسكريا غير مسلم عمدا او خطأ في ساحة سلم او حرب.

عودة الى غارات التحالف على سوريا.. مصافي النفط ليست ملكا لـ»داعش» ولا للنظام السوري. انها ملك للسوريين فلماذا تدمرها امريكا؟ لتحتكرها مع شركائها الفرنسيين والانكليز لاحقا؟ آلة الدمار الامريكية، مع التحالف، ستدمر كل البنية التحتية ومقومات الدولة في سوريا، او ما تبقى منها، بحجة الارهاب، و»داعش» وكل من بايعه على الخلافة او راودته نفسه الى البيعة، تماما كما فعل في العراق في حقبة صدام مبشّرة بعراق جديد يتمتع بالديمقراطية، ويكون مثالا يحتذى به في الشرق الاوسط . العراق الان فعلا مثال، ولكن يحتذى به في الطائفية وغياب القانون وابسط حقوق الانسان.

لماذا تحتكر امريكا واوروبا واسرائيل تعريف الارهاب وتحتكر ادوات العقاب ومكان وزمان وكيفية تنفيذه؟ من عيّنهم شرطيا؟ انه منطق القوة فوق الحق الذي آمن به الصهيوني ثيودور هرتزل لإقامة دولة اسرائيل على التراب الفلسطيني. انه المنطق الصهيوني نفسه الذي ما زال يتحكم بالعالم، وكانت بريطانيا أداته في البداية ثم سلمت الراية لأمريكا لتكملة الدور.