الظاهرة الداعشية: الجوهر لا المظهر

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

5/7/2015
القدس العربي
المؤلف: 

لا تُعدّ ولا تُحصى الجرائم التي ارتكبها تنظيم «الدولة الإسلامية» بعد سقوط مدينة الموصل، وقبلها أيضاً؛ سواء في العراق، أوّلاً، أم في سوريا، وأمكنة أخرى، بعدئذ. ولم يعد عسيراً إدراك معادلة الخدمات المتبادلة بين «داعش» وأنظمة الاستبداد والفساد العربية، إنْ في البلدان التي شهدت انتفاضات شعبية، أم في تلك التي ما تزال تنتظر. فإذا اختار المرء أياً من فظائع هذه المنظمة، ضدّ البشر أو الحجر، فإنّ من اليسير أن تتضح واحدة من أهمّ خصائص «داعش»: أنها ظهيرة الطغاة في الأرض.

غير أنّ هذا الاعتبار ليس هو الأجدى اليوم، بعد مرور عام على نجاح «داعش» في اجتياح مدن وبلدات كبرى، ومحورية لاعتبارات شتى، في العراق كما في سوريا. والمطلوب، الأهمّ والأشدّ إلحاحاً، هو التبصّر على نحو أدقّ، والتعمق أكثر، في العوامل المختلفة، السياسية والاجتماعية والثقافية، التي أتاحت صعود «داعش»، وتتيح وضعها في القلب من معظم سيناريوهات التخريب والتفكيك والتقسيم، فضلاً عن التجهيل والاستغلال والتحريف، التي يتعرّض لها الاجتماع الوطني في كلّ من العراق وسوريا… في انتظار جغرافيات أخرى قادمة. وبعض أنجع الوسائل في سبيل صدّ هذه المنظمة الإرهابية الظلامية، وردّ جرائمها إلى نحور قادتها ومنظّريها، وكذلك إلى سادتها ومحرّكيها ممّن يتقنعون خلف أستار شتى؛ هي الذهاب نحو الجوهر والجذر، وليس الاكتفاء بالمظهر والسطح، في تفكيك الظاهرة الداعشية. 

على سبيل المثال، كيف يتوجب أن تُقارن مسؤولية رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، مع مسؤولية خلفه حيدر العبادي، في تأمين حاضنة السخط الشعبي التي تغذت عليها «داعش»، وأحسنت استغلالها، واختراق مكوناته؟ بدل الالتفات إلى مشاكل العراق الداخلية المتزايدة، وعلى رأسها توتر علاقات الحكومة مع شرائح شعبية عريضة، ليس مع الشارع السنّي في طول العراق وعرضه، وكذلك مع الأكراد، فحسب؛ بل، كذلك، مع فئات واسعة من الشيعة، جماعة مقتدى الصدر أوّلاً، ثمّ السيستاني، وشرائح التكنوقراط والليبراليين… بدل ذلك كله، لجأ المالكي، واقتفى العبادي أثره على نطاق واسع، إلى إعادة إنتاج سياسات مقيتة تكفلت بتأجيج المزيد نيران الاستياء الشعبي.

وبدل تكريس جهود الحكومة لخدمة المواطن العراقي، وتوظيف قسط من عائدات النفط لتحسين مستواه المعيشي؛ سارع المالكي، واقتدى به العبادي، إلى ترحيل مشكلات العراق الداخلية نحو الخارج، والاتكال على دول التحالف وكأنّ اجتثاث «داعش» لا يبدأ من اقتلاع جذورها في تربة العراق أوّلاً. أو كأنّ العبادي، بعد سلفه، تناسى كيف دخلت «القاعدة» إلى العراق عن طريق أجهزة النظام السوري، بادىء ذي بدء؛ وأنّ «داعش» هي الجنين الذي تخلّق عبر تلك الترتيبات التي ساهمت فيها الأجهزة الأمنية الإيرانية أيضاً. وكما في العراق، كذلك في سوريا، يُراد منّا أن ننسى ذلك الزمن، القريب، الذي شهد اتهام المالكي للنظام السوري بالوقوف خلف الأعمال «الإرهابية» في العراق، ومطالبة الأمم المتحدة بتشكيل محكمة، أو على الأقلّ لجنة تحقيق دولية، لمحاسبة منفّذي التفجيرات الذين أرسلهم «البعثيون» و»التكفيريون» جماعة النظام السوري… حسب تعبيرات رئيس الوزراء العراقي ذاته!

سحر انقلب على الساحر، الحاكم المستبدّ والفاسد، في العراق كما في سوريا؟ نعم، ولكن ليس هذا فقط، لأنّ «داعش» مسؤولية الاحتلال الأمريكي للعراق، والسكوت الدولي على جرائم الحرب في سوريا، ومغازلة إيران، ومباركة جرائم إسرائيل في غزّة، إلى آخر سلسلة طويلة من الأسباب المترابطة. وتلك، قبل اعتبارات المظهر، هي ضرورات الجوهر الأعمق التي أتاحت صعود «داعش»، وسهّلت بقائها، و… تمددها.

تعليقات