العراق وإيران… إقليمان أم إقليم واحد؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

21/4/2015
القدس العربي

«على إيران احترام سيادة بغداد».. هكذا قال رئيس الوزراء العراقي في زيارته الأخيرة إلى واشنطن الاسبوع المنصرم. 
كلام نظري قد ُيلمّح إلى نيات سليمة، لكن الاسئلة المهمة هنا هي، من هو الذي يُحدد احترام سيادة الآخرين؟ وهل أن السيادة أقوال وشعارات، ويوم نحتفل به كل عام، أم هي وقائع على الارض تفرض على الاخرين احترامها والإقرار بوجودها؟ وهل العراق بلد ذو سيادة فعلية اليوم؟ يتهرب الكثيرون من ساسة العراق من هذه الاسئلة الكبيرة والمهمة، لانهم حريصون على مصالحهم ومناصبهم وامتيازاتهم، لكن عندما يُتهمون ويُلاحقون ويهربون إلى خارج العراق، فقط في هذه الحالة نسمع أجوبتهم على هذه التساؤلات وغيرها. 

في علم السياسة لا توجد سيادة حقيقية لأي بلد قد دُوّلت قضيته، بمعنى أن الدولة التي تخضع لقرارات دولية تحت أي فصل من فصول ميثاق الامم المتحدة تفقد سيادتها أو جزءا منها، لأن المجتمع الدولي سيُسيّر شؤونها ويتصرف بالكثير من قراراتها، وقد دوّلت القضية العراقية منذ عقود من الزمن وحتى يومنا الحاضر. ولان السيادة مرتبطة ارتباطا عضويا بالاستقلال، وهذا الاخير يرتبط بمدى قدرة الدولة على ممارسة مظاهر سيادتها على الصعيدين الداخلي والخارجي بحرية تامة دون تدخل من أحد، فإننا أمام حقيقة واضحة من أن العراق بلد منقوص السيادة حتى اليوم. قد يرفض البعض هذا التحليل مكابرة أو هروبا من الحقيقة، لكن على الجميع البحث عن البعد المواطني لمعنى السيادة، وليس البعد الجغرافي وحسب. ففي البعد المواطني لازال الفرد العراقي فاقد الشعور بأن الدولة العراقية هي الحصن الحصين له من إهدار دمه وماله وعرضه، وهي ليست الضامن لمستقبله ولقمة عيشه وسنين عجزه.

كيف يتولد هذا الشعور لدى مواطن مُتهم من قبل دولته وأجهزتها، التي يُفترض فيها أن تكون حامية له، بأنه إرهابي، فقط لأنه يسكن هذه المحافظة أو تلك، وينظر اليه بأنه مشبوه عندما يمر من خلال أي سيطرة حكومية، ويُطلب منه كفيل إن رحل أو هُجّر إلى مكان آخر داخل الوطن؟ هذا ما يحصل اليوم لأهالي الانبار الذين هجروا دورهم خوفا من القصف المتبادل بين الحكومة والمجاميع المسلحة، بينما أغلقت كل المحافظات المجاورة أبوابها بوجوههم وباتوا عالقين على بوابات المدن. وكيف يشعر مواطن آخر بأن الدولة دولته وهو يعيش على أرض مصدر ثرواتها هو مصدر ميزانية الدولة ككل، بينما لا يستطيع الحصول على علاج لنفسه، وتحصيل علمي لاولاده، ولقمة عيش كريم لعائلته؟ وهذا هو الذي يحصل لأبناء جنوب العراق، خاصة محافظة البصرة، التي في كل مرة يجنح أهلها للبحث عن حلول لهذه المشكلة بعضها مُر كالفيدرالية. 

أما البُعد الجغرافي لمفهوم السيادة فلا نعتقد أن العراق قد حصل عليه حتى اللحظة، حيث أن سماءه مخترقة من قبل الكثير بعضها تعلم به السلطات الحاكمة، وبعضها لا تعلم به إطلاقا، كما أن مياهه الاقليمية غير مسيطر عليها لضعف الامكانيات، أما حدوده البرية فهي الطامة الكبرى.. فهي مستباحة لكل من هب ودب، وتسيطر على الكثير من أراضيه قوى مسلحة من خارج الدولة، كـ»تنظيم الدولة الاسلامية»، وقوى مسلحة اخرى لدولة مجاورة كإيران. فعندما يجول قائد فيلق القدس الايراني قاسم سليماني في مدن عراقية كثيرة رفقة العديد من جنده الايرانيين، وأتباعه وأنصاره العراقيين الذين يتحركون وفق أجندتهن وليس وفق أجندة الدولة العراقية، فهل تبقى بعد كل هذا سيادة جغرافية؟ قد يقول البعض بأنه خبير عسكري جاء بطلب من الحكومة العراقية، لكن عندما يُصرّح رئيس الوزراء العراقي بالقول إنه ممتعض من ظهور قاسم سليماني بهذه الطريقة في العراق، أليس الامتعاض فقط هو دليل على أن السيادة غير موجودة؟ ألا يوحي امتعاض المسؤول التنفيذي الاول في الدولة العراقية بانه غير قادر على الفعل؟ نعم إنه كذلك، لأن ممارسة مظاهر السيادة على الصعيد الداخلي والخارجي يجب أن تجري من دون تدخل أحد، ويجب أن تكون غير مقيدة كي تُطاع، لكن القيود الايرانية والامريكية والدولية واضحة في كل الاحداث التي تجري في البلاد.

إننا في العراق اليوم أمام سيادة دينية، إن صح التعبير، هي فوق السيادة الوطنية تماما، حيث أن هنالك فريقا سياسيا مهما في السلطة يستظل بمظلة تقليد المرشد الايراني علي خامنئي، وهذا التقليد يفرض على المُقلد اتباع فتاوى الاول ورؤيته الدينية والسياسية، ونظرته الخاصة في إدارة الدولة ورسم العلاقات الخارجية مع الدول الاخرى، والموقف من الاحداث الدولية والاقليمية، بل يفرض على العراق ايضا الانخراط سياسيا وعسكريا واقتصاديا وأمنيا وثقافيا في ساحات أخرى، لدولة الولي الفقيه فيها مصالحها الخاصة التي هي ليست مصالح العراق. كما أن هنالك فريقا آخر يرى ويعمل على أن تكون المصلحة العراقية مرتبطة بالاجندة الامريكية أو التركية، لذلك رأينا بوضوح كيف أن بعض القوى السياسية وأجنحتها العسكرية رفضت مشاركة الجهد الجوي الأمريكي في الحرب على «تنظيم الدولة»، بينما رحبت ودعت إلى مشاركة ايران في العمليات العسكرية بصورة أوسع، في حين أن فريقا آخر كان يرى أن مشاركة ايران جريمة كبرى ومشاركة أمريكا واجب مطلوب ومرحب به.

على الجانب الآخر لم نجد أي موقف موحد واضح ومحدد للحكومة العراقية تجاه مشاركة الاخرين في تقديم الدعم والاسناد في المعارك الجارية، مما يعزز الرأي القائل بأن السيادة العراقية غير موجودة، أو في أحسن الاحوال هي امتداد وتابع لسيادات أخرى. وإذا ذهب رئيس الوزراء في تصريحاته في البيت الابيض إلى القول، على إيران احترام سيادة العراق، هي في الحقيقة ليست حرصا على السيادة العراقية غير الموجودة، بل هي رسالة واضحة إلى الامريكان بطلب الدعم والاسناد له ضد الفريق الآخر، لتعزيز إمكاناته السياسية والعسكرية في ظل تنامي محور إيران داخل العملية السياسية إلى حدود قصوى، فرضه دعمها ومشاركتها في تحرير بعض المناطق من «تنظيم الدولة».

إن إيران تتعامل مع العراق بوجوه متعددة، وجه ديني، ووجه مذهبي، ووجه سياسي، ووجه اقتصادي، ووجه أمني، وهي تريد من كل وجه من هذه الوجوه أن يكون رابطا قويا يربط إقليم العراق بالإقليم الإيراني.

تعليقات