اللعب بالكلام الكيميائي فوق إدلب

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2018-09-13
القدس العربي
المؤلف: 

لا حدود لوقاحة الضواري حين تتكلم. استأنفت «الدبلوماسية» الروسية ـ فرع الإبادة الشاملة، تشغيل آلة الكذب بشأن السلاح الكيميائي الذي ثبت استخدام نظام بشار له 183 مرة، على الأقل، بعد النزع المزعوم لهذا السلاح من يده بين 2013 ـ 2014.

ففي كل مرة يثبت بأدلة قاطعة استخدام النظام لهذا السلاح، يتنطح الروس لإنكار ذلك، وكأن الحقيقة تتغير بمجرد إطلاق لافروف أو مساعديه لتصريحاتهم. ربما معهم حق، لأن القانون السائد في العلاقات بين الدول هو قانون القوة: من يملك القوة يملك الحق في الكلام، وعلى الآخرين أن يصدقوا ما يقول، حتى لو كان كذبه واضحاً. شهادة القوي تجب كل الشهادات المعاكسة!

وتفوق الروس على أنفسهم في إطلاق كذبة جديدة حول «سيناريو يتم تصويره، منذ الآن، لاتهام النظام الكيمياوي باستخدام هذا السلاح في ضرب مدينة جسر الشغور!» بل يزيد الروسي من عنصر التشويق، فيقول إن «المسلحين قاموا بنقل برميلين من مشتقات غاز الكلور من خربة الجوز إلى جسر الشغور» لكي يتم أخذ عينات من التربة كدليل (مفبرك طبعاً!) على استخدام النظام لغاز الكلور.

وقد بدأ التصوير منذ الآن بمشاركة من «الخوذ البيضاء»!
نعم، كل هذه التفاصيل «التقطها» الروس ببراعة استخباراتهم التي تعرف ما سيحدث قبل أن يحدث، على ما ذهب إعلان ترويجي شهير، قبل سنوات، لوسيلة إعلامية ناطقة بالعربية.

وحول الدبلوماسيون الروس اللقطة الاستخبارية إلى خبر تتناقله وسائل الإعلام بكل جدية. ومن وسائل الإعلام ينتقل هذا «الخبر» إلى جمهور واسع، بعض منه يتلقفه لإثبات وجهة نظره الثابتة حول المؤامرة الكونية على النظام الكيمياوي ومحور الممانعة، ويبني عليه تحليلات بارعة تصل أبعادها إلى ما بعد بعد إدلب. وكان الزج بالخوذ البيضاء ضرورياً، في هذه المناسبة، لتأكيد صفتها الإرهابية للمرة الألف، ومهمتها الثابتة المتمثلة بالافتراء على «الحكومة السورية» (لاحظت صحفاً عربية تنقل عن قياديين في الجيش الحر تصريحات يستخدمون فيها، حسبما تنسب إليهم، لغة ديمستورا حول «الحكومة السورية» بعد سنوات من استخدامها تعبير «النظام» مع صفات كالمجرم أو الدموي أو الطائفي! لكن هذا خارج موضوعنا). 

من أين يأتي الروس بكل هذه الوقاحة في فبركاتهم عن فبركات مفترضة يتهمون بها خصومهم؟ ليس فقط لأنهم يملكون القوة الفظة التي تخولهم إطلاق ما يشاؤون من أكاذيب مفضوحة. بل كذلك لأن الخصوم لا يقلون عنهم خسة، على الأقل في الحالة التي نتحدث عنها هنا، أي الحديث عن السلاح الكيميائي في إدلب.

فطوال أيام وتصريحات الأمريكيين والفرنسيين تتكرر بطريقة الضرب على الرأس: إذا استخدم النظام السلاح الكيميائي في الهجوم على محافظة إدلب، سيكون رد الدول الثلاث، الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، قوياً! يبدو أن مسؤولي البلدان الثلاثة يخشون ألا يكون المعنيون فهموا ما بين سطور هذه التصريحات، لذلك فهم يكررونها كل يوم أكثر من مرة. 

المضمر في هذه التصريحات، هو أن الهجوم على إدلب من قبل الروس والإيرانيين وتابعهم في دمشق، مسموح. كذلك استخدام كافة أنواع السلاح في هذا الهجوم مباح، باستثناء السلاح الكيميائي. 

لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جافاه النوم وهو يخشى ألا يكون الروس والأسديون فهموا ما يتوجب عليهم عمله. لذلك فقد غادر سريره وكتب تغريدة بديعة على حسابه على تويتر، قال فيها: «لا يجب على الرئيس بشار الأسد في سوريا مهاجمة محافظة إدلب بتهور. سوف يرتكب الروس والإيرانيون خطأ إنسانياً خطيراً بالمشاركة في هذه المأساة الإنسانية المحتملة.

يمكن أن يُقتل مئات الآلاف من الناس. لا تدعوا هذا يحدث!»
ثم عاد إلى سريره مطمئن البال ونام بعمق، بعدما وجه نداءه المؤثر إلى الجنس البشري: «لا تدعوا هذا يحدث!» لكي يمنع بشاراً (الذي ارتقى، في لغة ترامب، من مرتبة الحيوان إلى مرتبة الرئيس!) من التهور في هجومه، فيكتفي بهجوم منضبط وعقلاني.

يشعر المرء أنه يشاهد عرض سيرك متوحش، تقوم وظيفة اللاعبين فيه على تهيئة الجمهور نفسياً لمشاهدة الجحيم. فبدلاً من محاسبة روسيا على عدم وفائها بتعهداتها بشأن التسليم الكامل للسلاح الكيمياوي الذي يملكه الأسد، بموجب تلك الصفقة الشائنة بين أوباما وبوتين والأسد في عام 2013، يقوم لاعبو السيرك الفظيع بالحديث عن هجوم كيماوي مفترض سيحدث في محافظة إدلب، وربما تبث وقائعه على الهواء مباشرةً، ويتهمون بها فاعلين مختلفين لم يفعلوا شيئاً بعد!

يقول العقل لا تفكر بذهنية المؤامرة. لكن هذا السيرك القبيح يدفعك دفعاً لتفكر بتلك الطريقة: كأنه ثمة اتفاقاً، بين الروس من جهة والأمريكيين وحلفائهم من جهة ثانية، على استخدام السلاح الكيميائي في الهجوم على إدلب، بحيث تتهم واشنطن ولندن وباريس نظام بشار الكيمياوي به، ويرد لافروف باتهام الخوذ البيضاء به.

وبذلك تنتهي هذه «القصة» بتطبيع استخدام السلاح الكيميائي، بعد عقود على تحريمه دولياً، بفضل عالم «ما بعد الحقيقة». فلم يعد تمييز الحقيقة من الكذب ممكناً، ما دام الكذب محروساً بالقوة العارية لبلطجية هذا العالم.