انتخابات إيران: تحالف «أنصار المستبدة»

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6/3/2016
القدس العربي
المؤلف: 

صنفتها الـ«إيكونوميست» البريطانية في باب «الانتصار المعقد للسيد روحاني»، وفي هذا مسحة تفاؤل غير معتادة من أسبوعية محافظة، بالمعنى الغربي للمصطلح على الأقلّ؛ لا يُعرف عنها، من جانب ثانٍ، روح الاستبشار بالممارسة الديمقراطية، حتى في حدودها الدنيا، لدى الشعوب المسلمة. وأن تقرّ الـ»إيكونوميست» بأنّ طغمة رجال الدين في إيران «أبطلوا المرشحين ولكنهم لم يتمكنوا من إبطال الشعب»، أمر يُسجّل لصالح الانتخابات الإيرانية الأخيرة؛ رغم أنّ المرء قد يساجل ضدّ تجييرها لصالح الرئيس الإيراني حسن روحاني (فهي أقرب إلى حصيلة متراكمة لإصلاحيين كثر، منذ انطلاق الثورة الإسلامية سنة 1979، بل قبلها بعقود داخل صفّ رجال الدين أنفسهم).

وفي عام 1911 لم يتردد فلاديمير إيليتش لينين، زعيم البلاشفة وقائد أوّل حكومة ثورية على الطراز الماركسي، في القول إن واحدة من أبرز علائم اليقظة الآسيوية تتبدّى بعمق في «حركة المشروطة». تلك كانت التسمية الثانية للثورة الدستورية الإيرانية التي اندلعت عام 1905 ضد الشاه مظفر الدين، وقادها فقهاء ومشايخ شيعة بارزون من أمثال محمد الطباطبائي وعبد الله البهبهاني وكاظم الخراساني (بين أنسب ألقابه أنه الأب المؤسس للدستور والنهضة والإصلاح السياسي في إيران) وعبد الله المازندراني ومحمد حسين النائيني.

في الصفّ المناهض، والذي كان يقود الماء إلى طاحونة الشاه عملياً، تمترس نفر من رجال الدين وآيات الله (نعم، التاريخ يعيد نفسه مراراً!)؛ استحقوا بالفعل تسمية «أنصار المستبدّة»، ولم يتحرّج النائيني في وضعهم ضمن فريق «عَبَدة الظالمين» و»علماء السوء» و»لصوص الدين» و»مُضلّي ضعفاء المسلمين». النائيني كان يستلهم جمال الدين الأفغاني وروحية «طبائع الاستبداد»، ولكن في ميدان سياسي فقهي شائك هو الإمامة الغائبة، ومدى حقّ الأمّة في ولاية نفسها وتشكيل حكومة زمنية عادلة (أي: ديمقراطية، حسب النائيني)؛ بدل الركون إلى حكومة لا زمنية مطلقة (ومستبدة بالضرورة، لأنها جزء من شعبة الاستبداد الديني، حسب النائيني أيضاً).

إيران هذه الأيام ليست إيران العقد الأول من القرن بطبيعة الحال، ليس فقط لأن البلد لا يحكمه شاه مستبدّ تتحالف معه مرجعيات دينية مستبدّة؛ بل أساساً لأن الدستور الإيراني قائم بالفعل، ولأنّ العلاقة بين السلطات التشريعية والتنفيذية تحكمها نواظم مختلفة تماماً عن تلك التي كانت معتمدة آنذاك، حين اندلعت الثورة الدستورية لاستبدالها جذرياً. كذلك لا تبدو المرجعيات الدينية الإيرانية المحافظة أو المتشددة شبيهة تماماً بتلك المرجعيات التي وصفها النائيني، ومع ذلك فإنّ إيران الراهنة تذكّر بإيران مطلع القرن… الآن بالذات، حيث جولات الشدّ والجذب بين «الإصلاحيين والمحافظين» بلغت مستوى إبطال الترشيح للانتخابات.

والحال أنّ هذا النظام في الانتخابات والتمثيل التشريعي، بمحاسنه الكثيرة قبل مساوئه القليلة، لن يستطيع استشراف مستقبل أفضل، في إطار مؤسسات مدنية أقلّ أوتوقراطية واستبداداً وشمولية، ما دامت إيران عاجزة عن تنفيذ قراءة نقدية راديكالية لمبدأ ولاية الفقيه. صحيح أنّه لا يشبه أطروحات «لصوص الدين» الذين هجاهم النائيني في العقد الأول من القرن، ولكنه في الواقع يعيد إنتاج مقدار مماثل ـ وأحياناً أكثر، وأشدّ  أذى ـ من العطالة الدستورية والمدنية والحقوقية، ويجمّد جهد الإصلاح إذا لم يكن يجهضه من الداخل بالفعل.

إذْ كيف يستقيم اتفاق «الإصلاحيين» و»المحافظين» على مساندة نظام آل الأسد في سوريا ـ الذي نهض على الاستبداد والفساد والتوريث والمزرعة العائلية، وحيث تُرتكب جرائم الحرب بصفة يومية ـ  مع الحدّ الأدنى من أخلاقيات الإصلاح، لكي لا يتحدّث المرء عن الرؤية المسلمة عموماً، في الفقه الشيعي المعاصر تحديداً، لمعنى الحكم الرشيد، الديمقراطي؟ ألا يبدو هذا وكأنه تحالف «أنصار المستبدّة»، طبعة القرن الحادي والعشرين؟

تعليقات