تركيا بين التحديات والتهديدات

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2/3/2016
القدس العربي
المؤلف: 

لاشك في أن الجمهورية التركية باتت تواجه تحديات جدية داخلية وخارجية، للتدليل على ذلك يمكن الرجوع إلى الهجوم الذي استهدف العاصمة أنقرة قبل أسبوعين. خلال الساعات القليلة التي سبقت التعرف على هوية منفذ الهجوم اتسعت دائرة المشتبه فيهم لتشمل ليس فقط الأعداء التقليديين من النظام السوري أو المنظمات الكردية أو تنظيم الدولة، بل الأعداء الجدد كروسيا، أو حتى الدول العربية التي لا تخفي حنقها على حكومة العدالة والتنمية.

برأيي فإن أكبر التهديدات هو تحوّل الوضع التركي من مرحلة «صفر مشاكل» مع دول الجوار مع بداية الألفية إلى مئة بالمئة مشاكل تقريبا خلال السنوات الأخيرة، حيث يخبرنا منطق العلاقات الدولية البسيط أنه ليس بالإمكان، حتى للدول العظمى، أن تدخل في صراع مفتوح على جبهات مختلفة. يمكن أن نحسد القيادة التركية على الثبات الذي ظلت تتحلى به إبان الأزمات، بدءا بما حدث في العام الماضي 2015 من تناقص في شعبية الحزب الحاكم، وفشله في الحصول على أغلبية في الانتخابات ما جعل المناوئين يتحدثون في شماتة عن نهاية العهد الأردوغاني. لكن لحظات الشماتة لم تستمر وتم استباق المعارضة بالدعوة لإعادة الانتخابات، وهو ما حدث فعلا رغم وصف البعض لها بالانقلاب الديمقراطي على الديمقراطية.

لقد نجح «العدالة والتنمية» في إقناع الناخبين بأن جولة الإعادة هي الحل الوحيد لمشكلة عدم التوافق بين الأحزاب، وهي المشكلة التي ستعيق تشكيل حكومة متناسقة وفاعلة وقادرة على مواجهة التحديات. رغم أن ذلك مثّل رهانا صعبا للحزب الذي تمتع بالغلبة لوقت طويل، فمثلما قد تسمح تلك الخطوة له بأن يستعيد مكانته القديمة، قد تؤدي، في حالة الخسارة، إلى احتمال الخروج الفعلي من المشهد السياسي.
ربح «العدالة والتنمية» الرهان كما هو معلوم وانتهت لحظات التوتر والقلق بعدما عاد الآلاف لانتخابه، ما جعله من جديد يشكل أغلبية كافية ومريحة. لكن ذلك لم يكن التحدي الداخلي الأكبر، فرغم الغالبية والشعبية ازداد عدد الأصوات الرافضة للانخراط التركي في مزالق الشرق الأوسط، كما تعالى صوت القوميين الذين رأوا في الأعداد الكبيرة من اللاجئين القادمة إلى البلاد خطرا اقتصاديا ومهددا أمنيا وثقافيا.
من جهة أخرى برز التحدي الكردي من بوابة الانتخابات التي حصلوا فيها على مكاسب جيدة، خاصة في نسختها الأولى، لكن أيضا من البوابة الأمنية، حيث أثبتوا قدرتهم على التكيف والتحالف مع الدول الناقمة على تركيا، كما أثبتوا قدرتهم على توظيف الإرهاب، التهديد المستمر للدولة التركية، للحصول على مكاسب إضافية.

مرة أخرى نجح حزب «العدالة والتنمية» في تحويل المعركة مع التنظيمات الكردية ونقلها من إطار التنافس الحزبي إلى الإطار الوطني، مستفيدا من نهج العنف الذي تسلكه تلك الجماعات ودخولها في مواجهات مفتوحة مع الجيش التركي الذي يحظى حتى الآن باحترام شعبي كبير. لقد بنيت الدولة التركية الحديثة على تعزيز القومية التركية، وأحيانا المبالغة في هذا التعزيز، باعتبار أن أي تسامح في ذلك قد يؤدي لتقسيم الدولة الكبيرة المكونة من إثنيات مختلفة، حتى أن الأحزاب الإسلامية والجمعيات الدعوية لم تستطع إلا الانطلاق من الهوية والقومية التركية، لتزعم أن الدين الإسلامي جزء لا يتجزأ من العظمة والمجد التركي، وبغير ذلك لم يكن ليتسنى لها العمل بحرية وسط الأجواء المفعمة بالقومية والعلمانية. ذكرت ذلك لأقول إن الدعاية المضادة للأيديولوجية الكردية لم تجد فقط قبولا لدى المؤيدين لمشروع أردوغان، ولكنها وجدت أيضا قبولا مماثلا لدى فئات من القوميين الأتراك الذين يرون في أي محاولة للانفصال أو للحكم الذاتي خطرا استراتيجيا.

كان الحزب الحاكم يلجأ في كل مرة للاحتكام إلى الناخبين بعد إقناعهم بوجهة نظره من خلال الأدبيات التي يعرفونها. هكذا، وكما لقي مقترح إعادة الانتخاب قبولا واسعا، لقيت المواجهات ضد «الإرهابيين الأكراد» القبول ذاته.
ما فشل الحزب في تسويقه كان قبول أعداد جديدة من اللاجئين السوريين، خاصة بعد تزايد أعمال العنف والإرهاب. الأعداد التي تقدر بمئات الآلاف شكلت ضغطا كبيرا على الأجهزة الأمنية التي طلب منها في الوقت ذاته التصدي لهجمات الأكراد ومراقبة تحركات تنظيم الدولة الذي جعل، للمفارقة، من ضمن أهدافه الفوضوية، فتح القسطنطينية!

ورغم القدرة على امتصاص الصدمات إلا أن الهجمات المتفرقة، التي طالت العمق التركي فرضت أن يكون الهاجس الأمني متصدرا لأولويات كل من الحكومة والشعب التركي على السواء. ظن البعض أن هذا الهاجس سوف يساهم في تغيير السياسة الإقليمية التركية، خاصة ما يتعلق بالموضوع السوري، لكن ما حدث كان أن القيادة الرسمية التركية تمسكت أكثر بمواقفها التي ترى بموجبها أن الأسد هو أساس المشكلة السورية وأن «داعش» ليس سوى أحد التداعيات الصغيرة للمأساة. ذلك التمسك، خاصة بخيار المنطقة الآمنة، أحبط الكثير من الذين كانوا يتمنون أن تتنحى تركيا أو على الأقل يخفت صوتها الإقليمي الذي يرون أنه يتصادم مع مصالحهم.

الموضوع السوري وتشبيكاته المختلفة يستحق وقفات أطول، حيث أنه يقترن الآن بالأزمة بين تركيا وروسيا التي تقترن بدورها بموضوع المجموعات الكردية وموضوعات أخرى كاللاجئين والإرهاب وغيرها من الملفات الحيوية. إن كان الأتراك يتفقون على شيء هنا فهو أن بلادهم تدفع الثمن الأغلى حاليا سياسيا واقتصاديا وأمنيا. التعقيدات تأخذ أبعادا أكبر من خلال كون تركيا من جهة، أحد أهم أعضاء الناتو، ومن جهة أخرى دولة مرفوضة العضوية في النادي الأوروبي. هذا التناقض يعني أن القوى الغربية تريد الاستفادة من العمق التركي أمنيا، لكنها لا تريد في الوقت ذاته خلق شراكة سياسية أو مواطنية معها، كما يفسر ذلك أيضا سلوك أوروبا وأمريكا اللتين تتعاونان بقوة مع تركيا في المجالات الأمنية وفي التنسيق بشأن اللاجئين، في حين تذهب في الوقت ذاته لحد التآمر عليها، إثر كل فرصة تسنح لها من أجل إشغالها بملفات داخلية أو بصراعات إقليمية.

في منطقة ما ستجد أن هناك التقاء بين المعسكر الذي تقوده روسيا والآخر الذي تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها حول الحد من النفوذ التركي في المنطقة. ذلك يظهر بوضوح في موضوع تكثيف الضربات على ريف حلب والمناطق المحاذية للحدود مع تركيا.
لا يمكن لتركيا الاعتماد بجدية على حلف الناتو، ولا على الأوروبيين الذين يحتملون سياساتها على مضض طمعا في حل مشكلة الهجرة واللجوء، وبخسارة روسيا لم يبق للأتراك إلا الانفتاح أكثر على العالم العربي. للدهشة فقد وقف أولئك ضد توغلها في الأرض العراقية واعتبرت الجامعة العربية، التي غضت الطرف لسنوات عن التدخلات الدولية والإقليمية في العراق، أن ما تمارسه تركيا هو اختراق للسيادة واعتداء غير مقبول.

العرب كانوا مصطفين، تقريبا، ضد إيران، ورغم أن العراق يعتبر ضمنا بداخل الحلف الإيراني، إلا أن ذلك لم يمنع الانتصار له على حساب الشريك التركي، وهو ما أوصل رسالة مفادها أن الرهان على العرب قد يكون خيارا فاشلا. قبلت تركيا مؤخرا التعاون مع المملكة السعودية ودعمت مشروعها لخلق تكتل إسلامي، وقد ساعد في ذلك النظرة المشتركة للأزمة السورية ولضرورة مكافحة الحركات الإرهابية. لكن على عكس ما ذهب المراقبون فإن ذلك التقارب لم يؤد إلى تليين الموقف التركي من النظام المصري الذي كان يستغل بدوره كل حادثة من أجل الوقوف مع الطرف المقابل لتركيا. هذه العلاقة المتوترة مع الدولة العربية الأكبر وإعلان عدم الاعتراف بكل ما تلا الثلاثين من يونيو شكّل مانعا مهما لتكوين شراكة عربية تركية حقيقية وهو ما أثر بقوة على جميع الأطراف. أما الوضع على الحدود غير العربية لتركيا فلا يخلو أيضا من تحديات وهواجس وهو ما قد نعود إليه لاحقا في مقال منفصل.
سعينا هنا لنقل الصورة الحقيقية لواقع التحديات التركية التي يمكننا بعد فهمها أن نعرف حدود الدور التركي وملامح تحركاته.

تعليقات