تركيا والتطورات الميدانية في شمال سوريا

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

14/5/2015
القدس العربي
المؤلف: 

عشية القمة الخليجية ـ الأمريكية المزمع انعقادها في منتجع كامب ديفيد، كان ائتلاف «جيش الفتح» الذي حرر كلاً من إدلب وجسر الشغور، يواصل القتال بشراسة للسيطرة على مشفى جسر الشغور الوطني في مواجهة قوات النظام المستميتة لفك الحصار المضروب على المشفى وتحرير 250 من أتباعه المحاصرين في الطابق الأسفل فيه. وقد بلغ إصرار النظام على كسب معركة المشفى أن رأسه بشار الأسد وعد بذلك في آخر ظهور إعلامي له بمناسبة «عيد الشهداء». هذا الإصرار الذي دفع إلى تداول تكهنات كثيرة حول قيمة «الشيء» الموجود داخل المشفى، كالقول بوجود أسلحة كيماوية خبأها النظام عن مفتشي الوكالة الدولية، أو بوجود ضباط رفيعي المستوى وشخصيات مهمة للنظام.

بالمقابل، من المحتمل أن استماتة «جيش الفتح» في السيطرة على المشفى وكسب مزيد من المواقع والحواجز العسكرية للنظام قرب مدينة أريحا، يهدف إلى تحرير محافظة إدلب بالكامل من الجيوب المتبقية لقوات النظام، تمهيداً لحدث نوعي مرتقب يجري التحضير له في كواليس صانعي قرار اقليميين ودوليين.

هناك ما يشبه الإجماع اليوم حول ربط الأحداث الميدانية المتسارعة، على أكثر من جبهة، في الصراع السوري بالديناميات الجديدة التي أطلقتها «عاصفة الحزم» السعودية في اليمن. فمع التغيير الذي حدث في قمة الحكم في المملكة إثر وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز، وأدت إلى تغييرات واسعة في كامل النخبة الحاكمة بقيادة الملك سلمان، تغيرت المقاربات السياسية السعودية لمجمل ملفات الصراع العابر للدول في الإقليم. وشكلت «عاصفة الحزم» نقلة نوعية من السياسة التقليدية الانكفائية والصبورة للمملكة إلى سياسة مبادرة نشطة في مواجهة النفوذ الإيراني المخرِّب. وتطلبت هذه النقلة بناء أوسع تحالف ممكن من الدول المتضررة من التوسعية الإيرانية، الأمر الذي اقتضى من جهة أولى طي الخلافات السابقة مع المحور القطري ـ التركي، ومراجعة التقييم السعودي لحركة الإخوان المسلمين بوصفهم الخطر الأول على أمن المملكة، ليتصدر بدلاً منه الخطر الإيراني عبر الاقليم.

وهكذا أصبح الحديث يدور حول محور جديد سعودي ـ قطري ـ كويتي ـ تركي، أولويته مواجهة الخطر الإيراني. وينطوي هذا التقييم على تباين مع الأولويات الأمريكية المتمثلة في مواصلة التقارب مع إيران في إطار مفاوضات ملفها النووي، بالتوازي مع استمرار الحرب على «الدولة الإسلامية» في العراق وسوريا. ماذا عن المنظمات الجهادية الأخرى الناشطة على الساحة السورية كجبهة النصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام وغيرها؟

تتحدث تقارير صحافية عن ضغوط تركية ـ قطرية على هذه المجموعات أدت إلى إنشاء غرفة عمليات جيش الفتح الذي تمكن، في فترة قصيرة، من تحرير إدلب وجسر الشغور ومناطق إضافية من ريف المحافظة. من المحتمل أن التحفظات الأمريكية التقليدية على تلك المنظمات ذات الهوى القاعدي، قد تراجعت أمام مطالب خليجية ـ تركية جعلت تحقيق الانتصارات الأخيرة ممكنة، بما في ذلك أيضاً انتصارات كبيرة على قوات النظام وحلفائه في جبهة الجنوب، وأخيراً في القلمون حيث يتلقى حزب الله اللبناني ضربات موجعة. كانت لافتةً اتهامات النظام السوري لتركيا بتدفق «آلاف المسلحين عبر حدودها» حسب تعبير وسائل إعلامه في معرض تبريره لخساراته الكبيرة في الشمال. فما الذي يدور في أروقة القرار التركي بصدد الديناميات الجديدة في الصراع السوري والدور التركي فيها؟

في السابع من شهر أيار/مايو الجاري خرج سكرتير حزب الشعب الجمهوري المعارض غورسل تكين الذي يحتفظ بعلاقات ودية مع النظام الكيماوي في دمشق، على وسائل الإعلام بتصريح عجيب قال فيه إن قوات من الجيش التركي ستتوغل داخل الأراضي السورية في غضون 48 ساعة! وأسند معلوماته إلى مصادر موثوقة لم يكشف عنها. بعد 48 ساعة تماماً، وبدلاً من التوغل التركي الافتراضي هذا، ظهر خبر حصول رئيس هيئة الأركان التركي نجدت أوزال على إجازة مرضية لإجراء عملية في البروستات! وحل محله في قيادة الأركان، بالوكالة، قائد القوات البرية الجنرال خلوصي آكار. وفي العاشر من الشهر نفسه، بعد يوم من بدء الإجازة المرضية لرئيس الأركان، اجتاز رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو الحدود وزار الموقع الجديد لضريح سليمان شاه داخل الأراضي التي يسيطر عليها الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني بوحداته العسكرية المسماة «وحدات حماية الشعب».

اقتصر التكذيب الحكومي لتصريح سكرتير حزب الشعب الجمهوري بصدد التوغل التركي المفترض داخل الأراضي السورية، على تحدي داوود أوغلو له بـ»الكشف عن مصادره» ولم يتجاوز ذلك إلى إعلان صريح بعدم وجود نيات لدى الحكومة بهذا التوغل. وهكذا شاعت التكهنات في الرأي العام التركي حول مغزى الإجازة المرضية لرئيس هيئة الأركان، وهل هي للتغطية على خلاف حاد بينه وبين الحكومة حول توغل محتمل فعلاً، أم ليتهرب من مرافقة داوود أوغلو في «توغله البروتوكولي» إلى ضريح جد مؤسس الدولة العثمانية؟ أم أن الأمر يتعلق بموقفي الطرفين (الأركان والحكومة) المتباين من محاربة الأخيرة لجماعة فتح الله غولن وامتداداتها المفترضة داخل القوات المسلحة؟

فقد شهد الأسبوعان الأخيران توقيف عدد من الضباط وصف الضباط من قوات الجندرمة (الدرك)، إضافة إلى مدعين عامين وقضاة، في إطار محاسبتهم على توقيف شاحنات كانت متجهة إلى سوريا، ربيع العام الماضي، بحماية جهاز الاستخبارات القومي الموالي للرئيس أردوغان، بدعوى أنها كانت محملة بالسلاح والعتاد. وهكذا نرى أن موضوع الخلاف هذا بدوره، السياسي الداخلي أساساً، يرتبط أيضاً بدور تركيا في الصراع الداخلي السوري.

ربما يعود هذا التكتم الشديد حول نوايا الحكومة التركية بصدد الشمال السوري خصوصاً، والمشكلة السورية عموماً، إلى هذه التجاذبات الداخلية في قمة القرار التركي بين الحكومة والجيش، وبينها وبين المعارضة. أو أنه يتعلق بعدم اليقين فيما خص موقف الإدارة الأمريكية من الدعم التركي ـ السعودي ـ القطري لمجموعات إسلامية حققت انتصارات جبهة الشمال في غضون الشهر الماضي. 
على أي حال، ستكون قمة كامب ديفيد مناسبة لوضع الموضوع السوري، مجدداً، على الطاولة في الإطار العام لمواجهة النفوذ الإيراني، وسنشهد في الأسابيع القليلة القادمة ما إذا كانت الإدارة الأمريكية بصدد تلبية الطلب المتكرر لحلفائها التقليديين في الخليج وتركيا بصدد إقامة مناطق آمنة في الشمال بعد إتمام جيش الفتح تحريره آخر جيوب النظام في محافظة إدلب.

تعليقات