تركيا وحلف الناتو وأزمة الثقة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

21/7/2018
القدس العربي

شهدت السنوات القليلة الماضية درجة متزايدة من الاختلاف بين تركيا وحلف الناتو، في العديد من القضايا، التركية الداخلية والأوروبية والعالمية، وقد تكون نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة في تركيا نقطة تحول في معالجة هذه الاختلافات، فتركيا ليست البادئة بها، من وجهة نظر تركية رسمية على أقل تقدير.

الموقف الأوروبي عموما، وفي الناتو خصوصا، هو على الدور الذي تقوم به الحكومات التركية من حزب العدالة والتنمية في السنوات الأخيرة، وليس على الموقع الاستراتيجي لتركيا بالنسبة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) عسكريا، سواء قبل أو بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومعسكر المنظومة الاشتراكية شرق أوروبا عام 1989 أولاً، وإنهاء حلف وارسو وانتهاء الحرب الباردة ثانيا، وخروج تحليلات بعدم الحاجة إلى تركيا بالنسبة للناتو، رغم وجود القواعد العسكرية الغربية والأمريكية على الأراضي التركية، وبالأخص بعد نزع فتيل التوتر بين روسيا وأمريكا، بمعاهدات خفض التسلح النووي في معاهدة ستارت وغيرها، فالناتو نفسه لم يعلن عن عدم حاجته إلى تركيا، بل التصريحات المتواصلة تؤكد حاجة الحلف لتركيا في أوروبا الوسطى، لاسيما بعد التطورات الأخيرة في المنطقة، التي قرّبت الجنود الروس والإيرانيين من مياه البحر الأبيض المتوسط من الناحية العسكرية.
مع ذلك فإن الآراء الأخرى تجد حجتها بضعف الحاجة إلى تركيا بالنسبة لحلف الناتو، وكذلك ضعف حظوظ تركيا في الانضمام للاتحاد الأوروبي من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والحضارية أيضاً.

وفي الحالتين فإن ما كانت تركيا تتوقعه من الناتو أن يبقى حليفا لها، لأن انتماء تركيا للمنظومة الغربية ليس من السهولة التنازل عنها أولاً، ولأن العروض الدولية الأخرى في التحالفات العسكرية أو السياسية، لن تكون أكثر ضمانة لاستقرار تركيا ثانياً، فالتعاون مع روسيا مثلاً أمامه سقف لا يمكن تجاوزه، ولن يرقى بأي حال من الأحوال لمستوى العلاقات الاستراتيجية التركية مع الغرب وأوروبا وأمريكا، ولكن ما لم تتوقعه تركيا أن يكون دور حلف الناتو سلبيا نحو الاستقرار الأمني والاقتصادي والسياسي في تركيا، مهما كانت درجة الاختلاف في وجهات النظر بينهما، أو أن تعمل بعض العواصم الأوروبية ضد المصالح التركية القومية، فتركيا كانت وجهات نظرها السياسية تبقى جزءا من القارة الأوروبية جيوسياسياً، وبوابة أوروبا الشرقية الاقتصادية والنفطية وأنابيب الطاقة وغيرها، فضلاً عن تحالفها العسكري العميق مع دول الناتو لأكثر من نصف قرن.

جاء تصريح الأمين العام الأسبَق لحِلف شمال الأطلسي «الناتو»، خافيير سولانا «بأن الحلف كان يعلم بالانقلاب الفاشل في تركيا عام 2016 قبل حدوثه، وإنه لم يحرك ساكناً»، بمثابة اعتراف رسمي لأحد زعماء الحلف بقيام الحلف بعمل عدائي ضد تركيا، وليس مجرد موقف سلبي نحوها فقط، لأن تركيا تعتبر عضوا كاملا العضوية في حلف الناتو ، وهو حلف يتعهد بحماية كافة أعضائه وأقطاره، والانقلاب الذي يتم التحضير له من خارج تركيا وداخلها هو عمل عدواني، كان على حلف الناتو أن يعمل على منعه وتحذير تركيا منه، طالما أن الناتو كان على علم به، والخشية أن تكشف الأيام المقبلة أن الحلف نفسه كان شريكا به، كما تقول بعض الدراسات التركية والعالمية، من خلال تعاون قاعدة أنجيرلك العسكرية مع الانقلابيين، أو من خلال امتناع قيادة الحلف عن توقيف الضباط العسكريين الأتراك الذين يعملون في مكاتب الحلف في أوروبا، وبالأخص الذين تم توجيه التهم القانونية لهم بالتورط في ذلك الانقلاب، فالأصول القانونية تتطلب التحقيق مع أولئك الضباط وليس منحهم اللجوء السياسي في دول الحلف الاوروبية، فلو كان الأمر معكوسا مع تركيا، وأعطت تركيا أولئك الضباط اللجوء السياسي لتم توجه التهم لتركيا بإيواء إرهابيين بالتأكيد.

لقد كان سولانا محقا عندما طالب حلف الناتو بالاعتذار إلى تركيا ورئيسها أردوغان، لأن امتناع الحلف عن تحذير تركيا من الانقلاب أدى إلى وقوع مئات القتلى وآلاف الجرحى من الشعب التركي، فضلاً عن التدمير لبعض مؤسسات الدولة، ومنها مبنى البرلمان، الذي يحمل رمزية وطنية للشعب التركي كله، ما أضطر الحكومة والبرلمان إلى إعلان حالة الطوارئ لمدة سنتين من تاريخ الانقلاب 15 يوليو/تموز 2016، والتحقيق مع مئات الألوف من المشاركين في الانقلاب، سواء كانوا عسكريين أو مدنيين، داخل تركيا أو خارجها، وهو ما أزعج دول الاتحاد الأوروبي، معتبرة أن تلك الاعتقالات والتحقيقات تتجاوز حقوق الإنسان والحريات الشخصية والاعلامية، فازدادت أزمة الثقة المتبادلة بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي ومؤسساته الإدارية والتنظيمية في العديد من القضايا أيضاً.

أزمة الثقة بدأ بها حلف الناتو ضد تركيا، واعتراف خافير سولانا دليل قاطع بين يدي تركيا على الحلف، فقد شهد شاهد من أهله، ولا بد أن اعترافات خافير سولانا تبعث مشاعر الغضب والقلق لدى الشعب التركي، قبل الرئاسة والحكومة ووزارة الدفاع التركية أيضاً، فكيف يمكن ان تثق أغلبية الضباط الأتراك الذين قاوموا الانقلاب بالحلف بعد ذلك، وقد فضل الحلف أن يسمح لقلة شاذة منهم أن تتآمر على الجيش التركي، قبل ان تتآمر على الحكومة وبرلمانها وشعبها، فلو نجح الانقلاب لكان مصير آلاف المعارضين له، الاعتقال والسجن وربما الإعدام على طريقة الانقلابيين في كل مكان. 

أمام قيادة حلف الناتو مهمة إعادة كسب ثقة الشعب التركي، فالناتو أخطأ كثيراً في حقه وفرط بأمنه واستقراره. وأمامه أيضا مهمة مواجهة سياسة الرئيس الأمريكي ترامب، الذي لا يخفي عداءه للناتو، ويفرض عليه رؤاه، وميزانية الدفاع المرهقة لاقتصاده ورفاهية شعبه، وأخطر ما في تهديد ترامب للحلف هو سحب 35 ألف جندي أمريكي من قوات الناتو العسكرية المنتشرة في ألمانيا، ورغم نفي البيت الأبيض، إلا أن هذا التهديد يثير قلق أوروبا ويفرض عليها تأمين البديل من الجيوش الأوروبية نفسها، وان تصبح الجيوش الأوروبية، بما فيها التركية، أكثر اعتمادا على نفسها، وإلا فإن حلف الناتو امام التهديد بالانحلال والزوال.

وخطط الناتو الجديدة بعد مؤتمر بروكسل الأخير، تبين أن أهم نتائج قمة «الناتو» التي انعقدت في يوليو 2018 من النواحي العسكرية والاستراتيجية والعملياتية، هو اتخاذ قرار تفعيل المشروع الأمريكي «30 × 4»، الذي يحمل اسم «مبادرة جاهزية الناتو»، وهي تنص على تعهد دول حلف شمال الأطلسي بنشر 30 كتيبة قوات برية، و30 سرب طائرات، و30 سفينة مقاتلة، خلال 30 يوما لدى وقوع الأزمات، فهذه الرؤية العسكرية الجديدة للناتو، تجعل تركيا تحتل موقعا حساسا لدرجة كبيرة، حيث ستتسلم عام 2021 قيادة القوات المشتركة عالية الجاهزية، ما يتيح لها فرصا مهمة في المشاركة في مستويات عالية بالبعثة التدريبية في العراق.

ورغم مساعي بعض حملات الدعاية المضادة لتركيا، إلا أن أنقرة تعتبر شريكا لا يمكن للناتو الاستغناء عنه، إذ تمتلك قدرات عسكرية كبيرة ساهمت في القضاء على تنظيم «داعش» الإرهابي غربي نهر الفرات، كما أثبتت تركيا قدرة كبيرة على حسم معاركها بمهارة وخطة عسكرية متقنة، كما في عمليتي «غصن الزيتون» و»درع الفرات»، اللتين قام بهما الجيش السوري الحر بدعم كبير من الجيش التركي وشعبه ورئاسته، فضلا عن الدور الاستخباراتي الكبير الذي تؤديه المخابرات التركية في مواجهة الإرهابيين الأجانب، من خلال إحكامها السيطرة على حدودها مع كل من شمال سوريا وشمال العراق.
لقد أظهرت قمة الناتو الأخيرة أهمية الدور التركي في منطقته، وأكدت على عدم إمكانية التخلي عن تركيا، بسبب دورها الكبير في ضبط تدفق المهاجرين السوريين نحو أوروبا، كما أكدت القمة على حق تركيا بالحماية من الصواريخ الباليستية المهددة للأراضي التركية المقبلة من سوريا، وهذا يعني أن الناتو مطالب أن يعزز الثقة بينه وبين تركيا، فتركيا تعتبر من الدول المؤسسة للحلف، مقارنة بالدول الأوروبية التي انتمت للناتو وكانت من قبل في حلف وارسو.

إن تركيا لا تخطط لمغادرة الحلف باختيارها، كما لا تخطط لمغادرة الاتحاد الأوروبي باختيارها أيضا، ولكنها تنتظر أن يقدم حلف الناتو على تصحيح أخطائه، بان يتعامل مع تركيا كما يريدها شعبها وبرلمانها ورئاستها، فتركيا دولة ديمقراطية بالمعايير الأوروبية بدون شبهة، وباعتراف المعارضة التركية التي خاضت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة، فلم يبق للغرب حجة باعتبار تركيا خارجة عن المنظومة الغربية، فتركيا واحدة من الأعضاء التي لها كافة الحقوق كما عليها كافة الواجبات، أسوة بكافة اعضاء الناتو بدون تمييز ولا ازدواجية في المعايير، بل إن مؤسسات حلف الاتحاد الأوروبي والناتو مطالبة أن ترفض دعوات العنصرية الأوروبية ضد الأتراك وضد المهاجرين، لأن هذه الدعوات تهز المجتمعات الأوروبية والغربية وتضعف وحدتها، وهذا سيؤدي إلى ضعف الانتماء داخل الدول الأوروبية.

تعليقات