تركيا ومستقبل سوريا وتعارض الرؤى الدولية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

19/5/2018
القدس العربي

لا تخفي تركيا معرفتها بالأهداف الدولية في سوريا، وبالأخص الأهداف الأمريكية، وإن كانت التصريحات الحكومية التركية لا تكثر من تردادها إعلامياً، وربما اكتفت بتولي وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بتذكير العالم بها مراراً، وأنها تؤول في النهاية إلى تقسيم سوريا، سواء تمت عبر كيانات قومية وطائفية تعمل سياسة الولايات المتحدة الأمريكية على تشكيلها، لتأسيس اتحاد فيدرالي في سوريا الموحدة، أو بإقامة دويلات مصغرة مستقلة على أساس قومي وطائفي أيضاً.

ويبدو أن روسيا وهي تعمل مع إيران وتركيا لإبقاء سوريا موحدة سياسياً على الأقل، ولكنها تعمل في الوقت نفسه لتحضير نفسها لقبول المشروع الأمريكي في سوريا أو التعامل معه كوقع على أقل تقدير، في حال تمكنت أمريكا من تقسيم سوريا ولو بعد سنوات، لأن روسيا تدرك أنها لا تستطيع منع أمريكا من تقسيمها أولاً، ولأن الولايات المتحدة الأمريكية غير مستعجلة على التقسيم، ولكنها لن تتخلى عن هذا الهدف مهما طال الصراع الدولي في سوريا ثانياً.

من الواضح ان أمريكا ومعها من يشاركها بفكرة مشروع تقسيم سوريا، وهي الدولة الإسرائيلية، وربما بعض الدول الأوروبية وأدواتها من الأحزاب الانفصالية الكردية، تعمل على أن يكون الأمر الواقع هو الفيصل في هذا الشأن، وان التقسيم سيكون خياراً حتمياً للدول المتصارعة فيها، ومن لا يقبل به سيُبعد من الخريطة السياسية والاقتصادية أيضا، كما قيل لمن لم يقبل بمبدأ خفض مناطق التوتر، لن يكون مشاركا في الحل السياسي لسوريا المستقبل، بدليل أن أمريكا بذلت جهودا كبيرة لاستبدال تنظيم «داعش» بقوات الاحزاب الكردية الانفصالية في شمال سوريا، وترفض إعادة أهلها الأصليون إليها، كما في منبج والرقة وتل أبيض وغيرها، فالتدخل العسكري الأمريكي الكبير وإقامة قواعد عسكرية أمريكية في هذه المناطق هو دليل على أن أمريكا جادة بتنفيذ رؤيتها لمستقبل سوريا المقسمة، التي لن تعود كما كانت سابقاً من وجهة نظر أمريكية وإسرائيلية، ولذلك فإن مسارات الاتفاق والاختلاف بين الدول في سوريا اليوم هو على رسم الخريطة السياسية، والمناطق التي يتواجد فيها جيش كل قومية عربية أو كردية أو روسية أو إيرانية أو تركمانية أو أمريكية، أو طائفية علوية أو شيعية أو سنية أو درزية أو مسيحية أو غيرها.

والصراع الإيراني الإسرائيلي في سوريا وإن تم في البداية بشكل ضربات صاروخية جادة من الجيش الاسرائيلي على أهداف إيرانية توسعية في سوريا، فإنه لم يقابل إلا بضربات إيرانية تحذيرية ضعيفة على أراضي الجولان المحتلة، كرسالة إلى الحكومة الاسرائيلية، على أن إيران يمكن أن تدخل معركة وجود في سوريا، والفارق بين الضربتين هو ان الحكومة الإسرائيلية تطالب إيران بتنفيذ الاتفاق معها حول تواجدها في سوريا، الذي تم بشهادة أمريكا وروسيا، بان يكون التواجد الإيراني بحدود ما يتطلب إفشال الثورة السورية وحماية الأسد في السلطة فقط، وما يزيد عن ذلك فهو خلاف المتفق عليه، وهو ما يضطر الجيش الاسرائيلي للتدخل لتدمير القوات الزائدة عن الحد المتفق عليه، بينما إيران ترى أن من حقها أخذ اجر ما قامت به من ادوار لحماية إسرائيل في الجولان وجنوب لبنان كنفوذ في سوريا، كما هو الحال في لبنان، ولكن الحكومة الإسرائيلية ترفض ذلك، بل تحذر إيران وحزب الله اللبناني من تجاوز الحدود، وإلا فالعقوبات مقبلة، ليس العقوبات الاقتصادية الأمريكية بعد الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران فقط، وإنما توجيه ضربات مدمرة للمشاريع النووية داخل إيران أيضاً.

أخذ الاختلاف الأمريكي والإسرائيلي من جهة يزداد ضد إيران بعد انتهاء دور إيران في سوريا، وعدم الحاجة إليها، فقد سيطرت روسيا على مقاليد الأمور عسكريا، وكذلك تم الادعاء بمشاركة إعلامية إيرانية بالقضاء على تنظيم «داعش» من السيطرة على المدن السورية، كما تم إضعاف فصائل المعارضة السورية المسلحة على أيدي الطيران الروسي والمليشيات الإيرانية وجيش بشار الأسد معاً، وقد قام مؤتمر أستانا خلال عام ونصف العام، وعبر ما أطلق عليه مناطق تخفيض التوتر أو مناطق وقف إطلاق النار وتوسيعها، بتثبيت ذلك، وقامت الدول الثلاث روسيا وايران وتركيا بضمانة تطبيق هذه الاتفاقيات، والسماح لها باستخدام قواتها العسكرية لتنفيذ ذلك، وهو ما سمح للجيش التركي التحرك داخل سوريا بعد ست سنوات من اندلاع الثورة السورية، بدون معارضة روسية أو إيرانية، وسكوت امريكي على مضض أو انتقاد خجول، كما تم في عمليتي «درع الفرات» و»غصن الزيتون» العسكريتين، اللتين تمتا بتعاون بين الجيش السوري الحر والجيش التركي في شمال غرب سوريا.

ويبدو أن التفاهم الروسي الإيراني التركي ليس على خفض مناطق التوتر ووقف إطلاق النار فقط، وإنما في جانب سري منه هو إضعاف التواجد الأمريكي في سوريا، وبدون توتير الجبهة الشمالية مع تركيا، ولا توتير الجبهة الجنوبية مع إسرائيل، فالرئيس التركي أردوغان على تواصل مستمر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وجرت بينهما لقاءات قمة عديدة في السنتين الماضيتين، في روسيا وتركيا، فضلا عن عشرات الاتصالات الهاتفية بينهما، لا بد أنها كفلت تطمين المخاوف التركية والأمن القومي التركي من أي مخاطر يمكن ان يمثلها التعاون الأمريكي مع الأحزاب الكردية، التي تراهن عليها امريكا لتقسيم سوريا، بإقامة كيان كردي خاص بهم شمال سوريا، وكذلك يتم تطمين إسرائيل من خلال روسيا بأن الجبهة الجنوبية في سوريا لن تهدد الأمن الاسرائيلي على الحدود السورية والجولان، والرسائل الحربية التي تمت بين إيران وإسرائيل في الضربات الصاروخية المتبادلة بين إيران واسرائيل في سوريا والجولان هي دليل على ذلك، فروسيا تقوم بالتنسيق بين ايران واسرائيل، بحيث لا تزيد هذه التوترات عن حدودها المرسومة والمتفق عليها بينهما.

إن روسيا أمام قلق شديد من مدى مواصلة الصراع في سوريا، وبالأخص أن قدراتها العسكرية غير قادرة على إلحاق الضرر بالجيش الأمريكي، وبالتالي لا تستطيع إلحاق الضرر بالمصالح ولا بالمشاريع الأمريكية في سوريا، وبالتالي فهي مضطرة للتفاهم مع امريكا على مستقبل سوريا ومصالحها فيها وليس الصراع معها في سوريا ولا غيرها، وهذا ينطبق على إيران أيضاً، وبالأخص أن أمريكا وإسرائيل وبعض الدول العربية ترى ان دور إيران في سوريا قد انتهى، فالثورة السورية لم تعد قادرة على إسقاط بشار الأسد وحدها، وقد تراجع التدخل الدولي المؤيد للثورة السورية بصورة كبيرة، وبالتالي فالمستقبل هو للحل السياسي وليس العسكري، وبالتالي فلا حاجة للمليشيات الإيرانية وتوابعها في سوريا، وبالأخص لا حاجة للتواجد الإيراني العسكري المتزايد في سوريا، الذي تسعى إيران من خلاله لجعل دورها مؤثراً وقوياً في سوريا وفي الشرق الأوسط، وهو ما ترفضه أمريكا بعد انسحابها من الاتفاق النووي، وترفضه إسرائيل أيضاً، وكلاهما يعلنان استعدادهما لإخراج التواجد العسكري الإيراني من المنطقة بالقوة العسكرية، واستعدادهما لتدميره داخل سوريا إذا لم تقم إيران بسحبه طواعية، مع إدراك إيران أن روسيا لن تستطيع مساعدتها في سوريا ولا الدفاع عنها في إيران أيضاً.

أما الرؤية التركية لسوريا فهي مع بقاء الوحدة السياسية لسوريا أولاً، وعدم تقسيمها ثانياً، ولكن تركيا لن تكون أقوى من روسيا في مواجهة مشروع التقسيم الأمريكي لسوريا، بحسب قدراتها العسكرية ودرجة تاثيرها السياسي والعسكري في سوريا، فروسيا وإيران تملكان المساحة الأكبر في التأثير العسكري والسياسي في سوريا حتى الآن، ولكن تركيا وإن لم تستطع منع التقسيم في سوريا وحدها، ولكنها لن تسمح بإقامة كيان كردي على حدودها الجنوبية شمال سوريا، فتركيا دخلت عمليتين عسكريتين ناجحتين في درع الفرات وغص الزيتون، وهي في الغالب تملك التأييد الشعبي لخوض معركة منبج وتل رفعت، إذا رفضت أمريكا سحب قوات قسد منها، وتركيا لن تخوضها قبل 24 يونيو المقبل يوم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية، والاشارات تقول إن أمريكا غير جادة في الانسحاب، فهي في وعود سابقة التزمت بسحب هذه القوات الانفصالية بعد تحريرها من «داعش»، ولكنها لم تف بوعدها، ومرة أخرى وعدت بذلك بعد عملية غصن الزيتون، كما أشار جاوش اغلو وزير الخارجية التركي، ولكنها بدل تنفيذ تعهداتها، أرسلت قوات فرنسية إليها، لإعاقة تنفيذ تركيا لعملية عسكرية جديدة لتحرير منبج من قوات قسد، والهدف الأمريكي توسيع الخلاف التركي الأوروبي، وبالتالي خلط الأوراق الدولية في سوريا بدرجة أكبر، لجعل التقسيم اتفاقا دوليا تشهد عليه الأمم المتحدة.

تعليقات