حقوق الإنسان في قاموس الإدارة الأمريكية

صورة د.مصعب قاسم عزاوي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

1/7/2015
القدس العربي

تضمّن تقرير نادر لوكالة رويترز صدر في 2 يونيو من العام الجاري، توصيفاً مكثفاً ومنقطع النظير لممارسات التعذيب في السجون الأمريكية للمتهم ماجد خان في سجون وكالة الاستخبارات الأمريكية على الأراضي الأمريكية نفسها، وفي معتقل غوانتنامو لأكثر من عشر سنوات. 

تضمّن التقرير تفاصيل مهولة، وموثقة في أرشيف المخابرات الأمريكية، ومتطابقة مع إفادة المتهم لمحاميه، تضمنت الإطعام المتكرر عن طريق الشرج عنوة «بتحضير وجبة الإطعام الشرجي المؤلفة من المعكرونة، والحمص، والصلصة، والمكسرات، والزبيب وزرقها في شرج المتهم»، حسبما ورد حرفياً في المراسلات الداخلية للمخابرات الأمريكية، على الرغم من أن التحقيقات اللاحقة تؤكد على تعاون المتهم ماجد خان الكامل وعــــدم وجود حاجة تقنية لما تم توصيفه من قبل محامي خان بالاغتصاب المتكرر لموكله. هذا عدا عن عدم وجود أي سبب طبي يبرر تلك الممارسات الخطيرة التي قد تؤدي إلى انثقاب الأمعاء الغليظة ووفاة المتهم بسبب الإطعام المتكرر عن طريق الشرج

ويلخص التقرير عذابات ماجد خلال تعرضه للتعليق لأيام طويلة في غرف مظلمة، وتعذيبه بالإيهام بالغرق، والتجويع، والحرمان من النوم، والتبريد بالجليد لجسده العاري، وتصويره عارياً خلال جلسات التحقيق، التي «أثمرت» في ختام إحداها عن توقيعه لاعتراف طالما حاول سجانوه انتزاعه منه ولسنوات طويلة، وهو عارٍ، منهك العقل والروح والجسد بعد تعليقه بأصفاد ليتدلى من عمود حديدي لأكثر من 24 ساعة، كما لو أنه استنساخ للطريقة التي تعارف الشعب السوري المظلوم على تسميتها بتقنية «الشَبْح» التي أدمنت أجهزة المخابرات السوري على استخدامها للتنكيل بالسوريين لعقود طويلة.

وقبل أيام قليلة من تقرير وكالة رويترز السالف الذكر، تم الإفراج بكفالة من إحدى السجون الكندية عن الشاب الكندي من أصل مصري عمر خضر، بعد ثماني سنوات قضاها في معتقل غوانتنامو الأمريكي، وهو الذي اعتُقِل طفلاً لم يكمل العام السادس عشر من عمره في أفغانستان ليكون أول طفل منذ الحرب العالمية الثانية تتم محاكمته في محاكم عسكرية لجرائم الحرب بتهمة إلقائه، وهو طفل لم يبلغ سن التكليف القانوني حسب التعريف الحقوقي، قنبلة يدوية وهو يدافع بها عن نفسه، قتلت جندياً أمريكياً خلال عملية عسكرية كان يقوم بها في القرية، التي كان يقيم فيها الطفل عمر خضر عام 2002.

وتبين الوقائع أن الطفل عمر خضر كان جريحاً عقب اعتقال القوات الأمريكية له، ولم يكن قادراً على الجلوس منتصباً في جلسات التحقيق، لذا كان يتم التحقيق معه وفق طريقة التعليق بالسلاسل سواء على كرسيه أو من سقف غرفة التحقيق. وعقب تعذيبه طويلاً بطرائق لا تختلف في جوهرها عن الطرائق التي تم تعذيب ماجد خان بها، يضاف لها الحرمان المطول من النوم قبل جلسات التحقيق. وكما هو الحال في كل معتقلات طغاة العرب، اعترف الطفل خضر بجريمته وفق السيناريو والإخراج الذي أراده جلادوه.

في عرف الدستور والقــــانون الأمريكيين، كما هو الحال في القانون الدولي والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، يعتبر المتهم بريئاً حتى تثبــــت إدانته، وإن التعذيب أداة غير شرعية، وكل ما تم الحصــــول عليه عن طريقها هو كذلك. ولكن كل تلك الجوهريات والمسلمات القانــــونيـــة، وغيرها من رغاء خطاب الرياء الأمريكي حول الدفاع عن حقوق الإنسان في شرق العالم وغربه، وتحطيمها لدول وحكومات منتخبة شرعــــياً، وتهشيمـــها لمستـقبل شعوب وأمم بأسرها تحت يافطة الانتصار لحقوق الإنسان، هو ليس إلا ذراً للرماد في العيون، لكي لا يستطيع المراقب تلمس تفاصيل الوجه الاستعماري والفاشي في آن معاً للسياسة الأمريكية المتلبسة بثوب المخلص لمقهوري الأرض من جلاديها، وظُلَّامِها ومنتهكي حقوق الإنسان فيها.

تفاصيل وحكايات مرعبة كثيرة لا تزال خافية على الجميع، قد يمثل ماجد وعمر لمحتين ضئيلتين في سيرورة مسلسل إرهاب الدولة المنظم، الذي قادته الولايات المتحدة في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حتى اللحظة الراهنة، الذي يبدو أنه لم يسهم إلا في تقويض السلم العالمي وتضاؤل هامش حقوق الإنسان والحريات عموماً على المستوى الكوني، بالتوازي مع تفريخ لا ينقطع لأولئك المقهورين الذين لم يعد سوى الانتقام لكرامتهم المهدورة منظاراً لتفاعلهم العــدمي مع عالمهم المزري، حتى لو كان ذلك بالتحول السرطاني إلى نموذج الإنسان الداعشي الأشوه.

وفي السياق نفسه يحق للمدقق أن يستكنه سر التردد المريب، والدور الملتبس للسياسة الأمريكية «المنافحة عن حقوق الإنسان دائماً» في المنطقة العربية، سواءً في تعطيل تمكن السوريين مهيضي الجناح من التخلص من جلادهم الأول بأيديهم، الذي كان قاب قوسين أو أدنى وفي غير مرة من تاريخ جلجلة الثورة السورية، وحجب كل ما يمكّن العراقيين المكلومين من الدفاع عن حيواتهم وأرضهم وكيان العراق السياسي في وجه الطوفان الداعشي، وتورية كل فظائع وفواجع الاحتلال للفلسطينيين المظلومين دهراً بأنه دفاع مشروع عن النفس، وإطلاق يد العسكر للتغول من جديد باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان على أبناء الشعب المصري المقهور.

٭ كاتب سوري مقيم في لندن

تعليقات