حماة الديار عليكم سلام… مع ذلك!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

22/ 06/ 2014
القدس العربي
المؤلف: 

التسديدة الصاعقة، والفرصة الضائعة، وضربة الجزاء، والهدف المحقق… ليست هذه، وحدها، اللحظات الأكثر درامية في مباريات كرة القدم التي يتابعها العالم هذه الأيام؛ إذْ لعلّ البرهة الأكثر إثارة للحماس، والأشدّ اكتظاظاً بالمعنى والتصعيد المعنوي، هي تلك الثواني المعدودات التي يستغرقها عزف النشيد الوطني. ومن الثابت أنّ هذا النشيد أشبه بالعلامة الفارقة التي تميّز الأمّة، والرمز الذي يعبّر عن هويتها الوطنية واستقلالها السيادي، تماماً مثل العلم الوطني أو أكثر قليلاً ربما.

غير أنّ النشيد الوطني هو، أيضاً، جزء من الذاكرة الجَمْعية للأمّة، بل يحتلّ صدارة عالية في الشطر الأكثر إثارة للمشاعر الوطنية الأعرض: الاستقلال (في حال الأمم التي كانت خاضعة للاستعمار أو الانتداب أو الاحتلال)، أو تأسيس نظام سياسي جديد، أو نشوء الأمّة ذاتها. وثمّة أناشيد ذات طبيعة خاصّة للغاية لأنها من نوع كفاحي ـ ملحمي عابر لمشاعر البلد صاحب النشيد، كما في مثال النشيد الوطني الجزائري، الذي مضى زمن كانت فيه حناجر ملايين العرب تنشده وكأنها تؤدّي طقساً سحرياً تحريضياً، تعبوياً، وملهباً للمشاعر.

وبهذا المعنى يتحوّل النشيد الوطني إلى أيقونة مقدّسة راسخة في الوجدان الشعبي، على نحو قد يبلغ من التجريد مقداراً يستعصي تماماً على أيّة إمكانية لإدخال تبديلات أو تعديلات، وإنْ طفيفة شكلية، أو تجميلية تطويرية، على النصّ الشعري. أمّا اللحن ذاته فإنّ المساس به يصبح أقرب إلى انتهاك الذاكرة الجمعية، وجرح الذات الوطنية، وربما تشويه العلامة الفارقة التي شبّت عليها الأمّة. وباستثناء حالات محدودة للغاية، في الأنظمة الدكتاتورية بصفة خاصة، أو حين تنتقل الأمّة من طور إلى طور آخر مختلف تماماً (كما في جنوب أفريقيا بعد سقوط نظام الأبارتيد)، فإنّ الأناشيد الوطنية للأمم تظلّ ثابتة خالدة باقية، ما بقيت الأمّة.

ومنذ سنوات دار في فرنسا سجال لافت حول النشيد الوطني الفرنسي، وما إذا كان من الممكن تعديل بعض المقاطع في «المارسيليز» الشهير. وخلفية السجال بدأت على يد المغنّي والمؤلف الموسيقي الفرنسي أنطوان كابيلا، الذي أطلق حملة لتعديل بعض العبارات العنيفة والدموية والخشنة التي تجعل من النشيد أهزوجة حرب وتعطّش للدماء والثأر، وليس نشيداً وطنياً لأمّة تزعم أنها بلد الأنوار والتسامح وحقوق الإنسان. كابيلا دعا إلى تعديل الفقرة التي تحثّ على حمل السلاح ضدّ «الغزاة الأجانب المتوحشين»، الهادفين إلى «جزّ رقاب أبنائنا ونسائنا»، وتدعو الجنود الفرنسيين الثوريين إلى «إغراق الخنادق» بـ»الدماء النجسة» للغزاة. حجّته أنّ هذه الفقرة تحرّض على العنف الأقصى، وإذا كانت قد ناسبت الحاجات الثورية لعام 1795، فإنها اليوم لا تتناسب مع القِيَم الجمهورية لفرنسا الحديثة. محاولة انتهت إلى الفشل، بالطبع،:ّ 40٪ من الفرنسيين أقرّوا يومئذ بـ»دموية» النشيد، ولكن 7٪ فقط وافقوا على تغيير كلماته!

الأرجح أنّ المآل ذاته سوف ينتظر المطالبات بتغيير النشيد الوطني السوري، «حماة الديار»، الذي كتبه الشاعر والسياسي السوري خليل مردم بك، في سنة 1963؛ ليس لأسباب مماثلة، تخصّ معانيه، أو طاقاته التعبوية، أو قيمته كنصّ شعري، بل لأنه اقترن بالممارسات الوحشية، واللاوطنية، التي طبعت سلوك الوحدات العسكرية الموالية لنظام بشار الأسد، خلال عمليات قمع الانتفاضة الشعبية. ومنذ الأسابيع الأولى، والتظاهرات الأبكر، قدّمت «فرقة المندسين» نسخة من النشيد تعتمد اللحن ذاته، مع تبديل في بعض العبارات. وهكذا، فإنّ الأبيات الأصلية التي تقول: «حماة الديار عليك سلام/ أبت أن تذلّ النفوس الكرام/ عرين العروبة بيت حرام/ وعرش الشموس حمىً لا يُضام/ ربوع الشآم بروج العلا/ تحاكي السماء بعالي السنا»؛ صارت: «حماة الديار عليكم سلام/ الشعب يريد إسقاط النظام/ دم الشرفاء عليكم حرام/ فهبّوا لنصرة شعب يُضام/ ربوع الشآم تعاني الأسى/ وتشكو إلى الله ظلماً قسا»…

الرافضون للتبديل، وكاتب هذه السطور في عدادهم، يساجلون ببساطة أنّ النشيد جميل، ويليق حقاً بجيش سوريا الوطني المستقبلي، الذي ستنحصر مهامّه في حماية الوطن والمواطن، وليس الانقلاب على إرادة الشعب والدستور؛ كما أنّ النشيد، وهذا هو الاعتبار الأهمّ ربما، احتلّ موقع الأيقونة الكبرى في الوجدان السوري، قبل عقود طويلة من حكم آل الأسد.
جدير بهم إلقاء السلام، إذاً، ودائماً، حماة الديار؛ الأصلاء الأقحاح، أبناء بلد بلد «فيه من كلّ عين سواد/ ومن دم كلّ شهيد مداد»…