دم غال ودم رخيص..

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

10/1/2015
القدس العربي
المؤلف: 

ليست القضية خلافا على توصيف فعل إجرامي كقتل 12 صحفيا فرنسيا، بل هي خلاف على الانتقائية في توصيف الإجرام حسب هوية مرتكبيه وضحاياه،
كيل الضحايا بمكيالين هو أقبح وجوه العنصرية، وأبلغ تعابير الكراهية.
كيف يمكن توصيف فعل إجرامي بقتل مدنيين بأنه «إرهاب وحشي»، بينما توصف أفعال أكثر إجراما وفداحة بأنها «استخدام مفرط للقوة بلا ضبط للنفس».. كيف يمكن للغرب، الذي يقيم بالفعل منظومة قيم إنسانية متحضرة داخل حدوده، أن يتفاوت شعوره بين ضحايا فلسطينيين بالمئات وضحــــايا إسرائيلــيين بالاحاد، أو بين ضحايا عرب سوريين وعراقيين في حلب والمــــوصل وضحايا أكراد في كوباني وأربيل؟ أو بين ضحايا المسلمين في مينمار وبورما وضحايا الهندوس في الهند، وبين ضحايا هجمات بوكو حرام الإسلامية المتطرفة في نيجيريا وضحايا هجمات جيش الرب المسيحي المتطرف في اوغندا؟

وكيف يمكن لأصوات من الأنظمة العربية (ونخبهم المنتقاة من مزارع العائلة) أن تهتز ضمائرهم لمقتل فرنسيين في باريس ولا يبالون بمقتل آلاف من المدنيين بيومين في رابعة بمصر مثلا؟
وكيف للبعض ممن يدعون العروبة أن يملأ الدنيا صراخا على مئات من ضحايا «القاعدة» في العراق وسوريا ويصمت عن عشرات الآلاف من ضحايا انظمة بغداد ودمشق؟ بعيدا عن المقارنة بحجم الأذى المرافق مع تهجير للملايين ودمار للمدن.
ومن قال إن التطرف الإسلامي استثناء؟ ولماذا لا ترى عيون البعض إلا قباحة ممارسات المتطرفين الإسلاميين، وتتجاهل قباحات خصومهم وجرائمهم التي تتجاوزها فداحة ودموية في معظم الأحيان إن قسناها موضوعيا؟

المعايير المزدوجة تبدو واضحة أيضا في تقييم أفكار الكراهية قبل توصيف فعل الكراهية. صحيح أن المجلة الفرنسية اليسارية كانت تعرض رسوما ساخرة من كل الأديان والأنبياء، لكن هامش الإساءة المصرح به انتقائي ايضا، فهي «حرية للتعبير» مهما بلغت الإساءة المفتوحة للدين الإسلامي ورموزه، بينـــما تصبــح «معاداة للسامية» إذا مست مظلومية الصهيونية، وقد يتعرض صاحبها للسجن، كما حدث مع الفيلسوف الفرنسي المسلم روجيه غارودي.

انتقائية الإحساس بمعاناة الآخرين وآلامهم والنظر للقتلى بمنطق الدم الغالي والدم الرخيص، تؤشر إلى خلل في القيم الأخلاقية قبل أي شيء اخر.. لذلك نجد هذه النظرة تلازم المجتمعات الغارقة في النزاعات الاهلية الدامية، وفي بلداننا العربية المنقسمة تبدو بوضوح، خصوصا العراق وسوريا حتى لبنان واليمن وليبيا.. فلا يبالي البعض بمقتل مدنيين أبرياء بسيارة مفخخة بمدينة الصدر أو كربلاء العراقية، والعكس الصحيح عندما تتعرض الفلوجة أو الموصل للقتل والتدمير، بل تصل لمرحلة ان يشمتوا بهم علانية في تعليقاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وليس بعيدا ما يحدث في سوريا ولبنان من انتقائية بقيمة الدم والإحساس بألم الإنسان.

بعض قادة وأمراء الحرب الاهلية في لبنان ممن يعترف انصارهم بقتلهم للمدنيين في صبرا وشاتيلا أو تل الزعتر، أو قتلهم لطـــوائف الخصوم في معارك الجبل من الدروز والموارنة، هم اليوم زعماء سياسيون لطوائفهم، لم تنتقص أفعالهم من مكانتهم لدى طوائفهم طالما كانت موجهة لغيرهم، وإن كانوا مدنيين ابرياء، بل اطفالا وراهبات ورجال دين مسالمين في كثير من الأحيان.
ولهذه الذهنية العنصرية آلية مذهلة للتبرير، تبرير القتل والتبرير للقاتل، سواء بتبرير ديني او بغيره، بدءا من القول ان ضحاياهم «خسائر جانبية لاستخدام مفرط للقوة نتيجة لاختباء الإرهابيين بينهم»، كما تقول اسرائيل عندما تقتل الالاف في غزة، أو النظام السوري في حمص وحلب، والعراقي في الفلوجة وسامراء، أو مفخخات «القاعدة» في مدينة الصدر أو الشعلة ببغداد، التي تمت شرعنتها بالنسبة لهم دينيا بفتوى «التترس».. أو بعض كتائب الثوار في سوريا عندما تطلق قنابل جرار الغاز على مناطق المدنيين تحت سيطرة النظام في الحمدانية بحلب مثلا.. إنها لغة الاقتتال الأهلي الدامي، اقتلوهم قبل أن يقتلونا..عذبوهم كما عذبونا!

وتتمادى ذهنية العنصرية لتتجاوز التبرير وتصل في مرحلة ما إلى القبول صراحة بقتل الإنسان المدني الذي يخالفني الانتماء، حينها يكون القتل على الهوية وتكون الحرب الاهلية التي لا تنتهي إلا باتفاقات سياسية قد تخمد نار الكراهية ليبقى جمرها مختبئا في القلوب لعقود ولقرون، ربما قبل أن يعود ليتقد عند أي شرارة.