دور حزب العمال الكردستاني في قيادة عملية المصالحة في تركيا

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

11/8/2015
القدس العربي

على إثر العملية العسكرية التي قامت بها الطائرات التركية بضرب مواقع لحزب العمال الكردستاني في العراق، واخرى لـ»داعش» في سوريا، أعلن بيان صادر عن حزب العمال الكردستاني:»أن هدنته مع أنقرة فقدت أي معنى لها، بعد هجوم شنته الطائرات الحربية التركية الليلة الماضية على أهداف للحزب في شمال العراق»، وفقا لما نقلته وكالة رويترز.
وهذه ليست المرة الأولى التي يعلن فيها حزب العمال الكردستاني إنهاء عملية السلام، فقد أعلن ذلك يوم 13/7/2015، أي قبل هذه العمليات بأسابيع، أي أن موقف حزب العمال الكردستاني (PKK) عن إنهاء عملية السلام مع تركيا ليس جديدا وليس مبرراً بالعمليات الأخيرة، وكأنه يتنصل من التزاماته السابقة.

وبذلك فإن البيان الذي أصدره حزب العمال الكردستاني بعد العمليات العسكرية ضد «داعش» في سوريا والعراق، وكذلك ضد كل التنظيمات الارهابية التي تهدد الأمن القومي التركي، بما فيها جبهة حزب التحرير الثوري اليساري، وحزب العمال الكردستاني، الذي استهدف جنوداً ومواطنين أتراكا في السنتين الماضيتين، وبالأخص في الأيام القليلة الماضية، وبعد تفجير سروج، فالحزب بدل أن يوجه أصابع الاتهام إلى أعداء تركيا في تفجير سروج إذا به وبالأحزاب والمنظمات التابعة له يوجهون أصابع الاتهام إلى الدولة التركية، بينما الدولة هي أول المستهدفين المتضررين من تفجير سروج. 
صحيح أن الطائرات التركية استهدفت مواقع لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق، ولكنها كذلك استهدفت مواقع لتنظيم الدولة الإسلامية «داعش» داخل الأراضي السورية، وبدأت حملة قصف لمخيمات ناشطي حزب العمال في شمال العراق، ولكن بعد صبر طويل على اعتداءات حزب العمال الكردستاني على الشعب والامن القومي التركي، فهو الذي جهز عناصره بالسلاح وأخذ يهدد الأمن الداخلي التركي، والسلاح أصبح ظاهراً في الشوارع التركية بيد عناصر الارهاب لحزب العمال الكردستاني، فيما يعد مخالفة صريحة لاتفاق السلم الذي وقعه الحزب مع الحكومة التركية عام 2013.

لقد وضع حزب العدالة والتنمية منذ تأسيسه وفي برنامجه الداخلي بند المصالحة الداخلية، ودعم الديمقراطية ضمن أولوياته السياسية الداخلية، ولصعوبة بدء عملية السلام مع التنظيمات التي ألحقت بالشعب التركي اكثر من ثمانين الف قتيل ومئات المليارات من الخسائر المادية، فإن الرئيس التركي أردوغان سار بالمصالحة الداخلية بهدوء وروية حتى يقنع الشعب بجدواها، وفتح صفحة جديدة مع هذه التنظيمات إذا وافقت على ترك الإرهاب والانخراط في العمل السياسي الرسمي والديمقراطي، ما اضطر الرئيس التركي لأن يعلن عن بدء محادثات السلام مع الأكراد عام 2012، وكانت بدايتها صعبة ومتعثرة وعارضتها عناصر متشددة من القوميين الأتراك والأكراد، بمن فيهم قادة الأحزاب السياسية من الطرفين، الذين لا مصلحة لهم في نجاح عملية السلام، لأنها قد تفقد قادة هذه الأحزاب مبرر وجودها وتخسر فيها مصالحها السياسية ومنافعها المالية.

أطلقت تركيا على عملية المصالحة الوطنية اسم «مسيرة السلام الداخلي»، من خلال مفاوضات غير مباشرة بين أنقرة وعبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، المسجون مدى الحياة في جزيرة إمرالي في بحر مرمرة منذ عام 1999، بوساطة حزب الشعوب الديمقراطي، الذي كان يحمل اسم حزب السلام والديمقراطية سابقا، وقد شارك في تلك المفاوضات ممثلون عن جهاز الاستخبارات التركي وبإشراف رئيس جهاز المخابرات الوطنية هاكان فيدان.

وشملت المرحلة الأولى من المسيرة وقف العمليات المسلحة المنظمة لحزب العمال الكردستاني، وانسحاب عناصره خارج الحدود التركية إلى جبال قنديل في اقليم كردستان العراق، وقد قطعت هذه المرحلة أشواطاً مترددة وغير متكاملة، بينما تضمنت المرحلة الثانية عددًا من الخطوات الرامية لتعزيز الديمقراطية في البلاد، وإصدار الحزم الديمقراطية التي تعالج مشاكل حقوق المواطنين الأتراك من مختلف القوميات والاثنيات والأعراق التركية التي تبلغ نحو أربعين مكونا تركيا، وكان يمكن لهذه المرحلة أن تصل إلى حد مساعدة أعضاء المنظمة الراغبين في العودة، الذين لم يتورطوا في جرائم مدانة من المحاكم التركية، على أمل أن يتم الاندماج في المجتمع التركي اجتماعيا واقتصاديا وسياسياً، وهو ما كان مأمولاً بالنمو السياسي التدريجي عند دخولهم الحياة السياسية مع فوز حزب الشعوب الديمقراطي الأخير.

ولكن هذه الأماني والآمال لم تسر كما كان يهوى حزب العدالة والتنمية ولا الشــــعب الـــتركي، الذي أيد مسيرة عملية السلام الداخلي، حيث واصل حزب العمال الكردستاني وتشكيلاته السياسية المختلفة من الأحزاب الســــياســــية أو التنظيمات الشبابية أو الجمعيات أو الصحف أو الإعلام التابع له أعمـــالهم العدائية للشعب التركي، وحكومته الشرعية ورئاسة جمهوريته المنتخبة من الشعب مباشرة، في عملية انتخاب شارك فيها مرشح كردي على رئاسة الجمهورية التركية لأول مرة في التاريخ التركي الحديث والمعاصر، وقد بلغت العمليات الارهابية لحزب العمال الكردستاني في عام 2015 وحده نحو (1267) عملية إرهابية.
وكشفت إحصائيات القــــيادة العامة لقوات الدرك التركية، حول الأعمال الإرهابية، زيادة ملحوظة في عدد الأعمال الإرهابية لمنظمة (pkk)، مقابل تضاؤلها خلال الفترات الأولى لمسيرة السلام الداخلي.
هذه الأوضاع أحرجت الحكومة التركية ورئيس الجمهورية أردوغان بان عملية السلام التي يسير بها حزب العدالة والتنمية لا يمكن أن تكون غطاء لكل هذه الأعمال الإرهابية، ولا ينبغي أن تتحول عملية السلام إلى ذريعة تمنع الملاحقة الأمنية لكل هذه الأعمال الإرهابية من قبل حزب العمال الكردستاني، الذي أخذ يتوسع ويتغول في الشارع التركي، وأعلى النبرة العدائية للحكومة والدولة التركية، ومن دون أن يقوم رئيس الحزب السجين عبدالله أوجلان بإنكارها أو التنديد بها، ولذلك اتهم موقف الحكومة التركية خلال السنتين السابقتين من قبل الشعب التركي بالتراخي، عن متابعة مظاهر التسلح أو مكافحة العناصر الارهابية من حزب العمال الكردستاني، وربما كان لذلك التراخي دور في تراجع حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، فالأحزاب الكردية استغلت عملية السلام لتزيد من نشاطاتها الإرهابية في حسابات خاصة بها، لا تمثل في الغالب المصالح الكردية الشعبية، وقد ثبت اليوم للشعب التركي بكافة قومياته بمن فيهم الأكراد بان حزب العمال الكردستاني ليس اميناً على قيادة الشعب الكردي، لا في تركيا ولا في العراق ولا في سوريا، ولعل تجربة الأحزاب السياسية الكردية في العراق أكبر دليل على ذلك، فهي لم تسلم قيادتها لحزب العمال الكردستاني، ولم يستطع حزب العمال الكردستاني قيادة الشعب الكردي في العراق، ولو تمكن من ذلك لما وصل الأكراد إلى ما وصلوا إليه بقيادة مسعود بارزاني وغيره من القيادات السياسية الكردية الحكيمة، بينما الأحزاب الكردية في سوريا، التي خضعت لقيادة حزب العمال الكردستاني فشلت في اختيار طريقها السياسي الصحيح مع الثورة السورية، ونتيجة لذلك اخذت تعاني أشد المعاناة من قيادة الحزب هناك وما تمثله ادواته الحزبية من حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات حماية الشعب الكردي من ويلات ومظالم وحروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

إن استهداف حزب العمال الكردستاني للأمن التركي لم يأت صدفة ولا كردة فعل على العمليات العسكرية التركية الأخيرة، وإنما جاء وفق برنامج عدائي مسبق، وزاد هذا الموقف العدائي مع نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي مكنت حزبا سياسيا كرديا مثل حزب الشعوب الديمقراطي، من أن يصبح حزباً سياسياً ممثلاً في البرلمان التركي، فبدل أن يستثمروا وجودهم في البرلمان لجأوا إلى الأعمال الارهابية والعلنية، وهذا دليل على أن الحزب لا يسعى للسلام في تركيا، ولهذا يمكن التوصل إلى فشل حزب الشعوب الديمقراطي وقائده صلاح الدين ديمرطاش ورئيسته الثانية في استثمار نجاحهم الانتخابي ودخولهم البرلماني، فقد فشلوا في إحداث تقارب حقيقي وقوي مع الأحزاب السياسية الأخرى، وهو ما أدى إلى فشلهم في مخاطبة الشعب التركي بما يطمئنه بكل قومياته بان حزب الشعوب الديمقراطي أو حزب العمال الكردستاني حريص على أمن الدولة التركية وحريص على تقدمها واقتصادها ومواصلة مسيرة النجاح التي بدأها حزب العدالة والتنمية، والتي من مظاهرها ومعالمها الأساسية وصول حزب الشعوب الديمقراطي إلى التمثيل البرلماني الحزبي، بعد الإصلاحات والحزم الديمقراطية التي أنجزتها حكومات حزب العدالة والتنمية.

إن التحدي الذي يقف أمام الأحزاب السياسية الكردية هو أن تقف إلى جانب الشعب التركي في حربه على الإرهاب الذي يهدد الأمن القومي، لأن هذه الأحزاب من الناحية العلنية داخلة في عملية سلام، وتفاوض الحكومة التركية حول بنود المصالحة الوطنية، وهي اليوم جزء من السلطة التشريعية في البرلمان، وقد تصبح في السلطة التنفيذية في حكومة ائتلافية مقبلة، وبالتالي فهي امام مسؤولية إثبات انتمائها الوطني الصادق وليس الانتـــهازي، وان تثبت حسن نيتها في التعامل مع الأحداث الارهابية التي تقع في المنطقة، وبالأخص في تركيا وسوريا والعراق، فإذا كانت هذه الأحزاب الكرديـــة معنــــية بعملــــية السلام ومواصلة مباحثات المصالحة الداخلية، وقد وصلت إلى مستوى إيجابي كبير بعد فوز حزب الشعوب الديمقراطي في دخول البرلمان التركي بثمانين نائباً كردياً، فهذه درجة مهمة لمواصلة مفاوضات عملية السلام مع حزب سياسي رسمي ممثل في البرلمان التركي، حيث كان ينبغي بعد هذا الفوز أن تنتهي كل المحاولات السابقة، التي تتم من خلال مراسلين بين الحكومة التركية وعبدالله اوجلان السجين. 

إن الشعب التركي يفاجأ وهو يرى الأحزاب الكردية تتقارب مع نظام الأسد الطائفي في ضرب ثورة الشعب السوري، وهو يواصل مجازره وحربه الكيماوية والبراميل المتفجرة على الشعب السوري، فمصلحة الشعب الكردي في كل دول المنطقة ليس في معاداة شعوبها، وإنما بالعمل معها لإحلال السلام وفق إرادة الشعوب التي ترسمها الانتخابات الديمقراطية وليس الأعمال الإرهابية، وإلا فإن على الشعب الكردي أن يبحث عن قيادة سياسية تقوده إلى بر الأمان، وليس إلى ساحات القتل والتشرد والحرمان، وفشل حزب العمال الكردستاني في قيادة المركب الكردي في تركيا وسوريا دليل على أنه فاقد للحكمة السياسية أولاً، وأنه عاجز عن العمل في الأجواء السياسية السلمية ثانياً، والاحتمال الأخطر أن تكون قياداته السياسية تعمل وفق أجندة خارجية تخدم المشاريع التخريبية في المنطقة، وليس المصالحة الوطنية مع شعوبها المشاركة لها في الهوية الحضارية والتاريخ والمصير المشترك.

 

تعليقات