ذكرى «الحريقة» ومآلات الحرائق

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

1/3/2015
القدس العربي
المؤلف: 

حلّت، قبل أيام، الذكرى الرابعة لحدث نوعي وفارق، كان بمثابة الإنذار الجماهيري الأبكر بأنّ انتفاضة الشعب السوري، ضد نظام الفساد والاستبداد، آتية لا محالة. «مظاهرة الحريقة»، كما سُمّيت يومذاك، وما تزال تُسمّى الآن أيضاً، شهدت احتشاد قرابة ألف مواطن سوري، على نحو عفوي، وخلال ربع ساعة أعقبت الاعتداء على المواطن عماد نسب، بعد احتجاجه على شرطي سير كان قد وصفه بـ»الحمار». وهناك، في قلب العاصمة دمشق، وفي أحد أعرق أحيائها، ارتفع الشعار الصاعق: «الشعب السوري ما بينذلّ».

الجوهري، والجديد تماماً بعد 41 سنة من كمّ الأفواه وقتل السياسة في المجتمع، تمثّل في أنّ سخط المتظاهرين كان يذهب أبعد، بكثير في الواقع، من مجرّد إهانة لفظية ظلّ المواطن السوري يتعرّض إلى ما هو أقبح منها، وأشدّ مضاضة وقسوة. ذلك لأنّ الشارع الشعبي السوري انخرط، مثل جميع شوارع العرب، في متابعة ما تشهده تونس ومصر وليبيا واليمن؛ وكان، في القرارة الأعمق مثل السطوح الأولى لمستويات الشعور الجَمْعي، يدرك أنّ سوريا ليست أقلّ استحقاقاً للكرامة، وللتحرّر من ربقة الطغيان، وبناء مستقبل أفضل، من أشقائها العرب الذين انعتقوا. وحين سيتكامل شعار مظاهرة الحريقة مع شعارات أخرى سوف تشهدها قرى وبلدات ومدن سوريا، من أقصاها إلى أقصاها، فيبلغ التكامل ذروته في شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»؛ بدا واضحاً أنّ تجربة الانتفاضة السورية لن تكون نسخة كربون عن مثيلاتها العربيات، بل ستكون أشدّ مشقة وعذاباً وعنفاً ودموية، ولن تظلّ حدودها منحصرة في سوريا البلد والشعب، بل ستنتقل وتنتشر وتتوسع، وسيتغلب الإقليمي والدولي في عناصرها على كلّ ما هو محلّي وطني سوري.

وفي يوم 17 شباط (فبراير) 2011، حين شهدت الحريقة خروج السوريين إلى شارع الحرية؛ لم يكن لمشهد الاستبداد أن يكتمل دون دخول «الشبيحة» إليه، للمرّة الأولى في مدوّنة الانتفاضة السورية، ومن البوابة الوحيدة اللائقة بهذه الأداة القمعية والغوغائية: ترديد الهتاف الخالد «بالروح! بالدمّ! نفديك يا بشار!». وأمّا المفدّى نفسه، بشار الأسد، فقد كان يُبلغ صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية أنّ نظامه محصّن ضدّ «الميكروبات» بسبب سياسته الخارجية، «الممانِعة» و»المقاومة»؛ وأنه شخصياً لا يعاني من «مشكلة الحاكم العربي»، التي تبدأ في رأيه من انعدام الشفافية: «لدينا في سوريا مبدأ مهمّ أتبناه شخصياً: إذا اردتَ أن تكون شفافاً مع شعبك، لا تلجأ إلى أيّ إجراء تجميلي، سواء من أجل خداع شعبك أو لتحظى ببعض التصفيق من الغرب»!
ويا لشفافية ما ستشهد سوريا، والسوريون، من مدفعيته ودباباته وصواريخه وقاذفاته وبراميله المتفجرة وأسلحته الكيماوية!

يكفي أن يستعرض المرء معالم «سيادة» النظام في سوريا: سيطرة على أقلّ من 40٪ من الأرض؛ ومعبر برّي واحد، إلى لبنان؛ وميليشيات محلية تشتغل بسفك الدماء وسلب الأعراض ونهب الممتلكات، أكثر بكثير من انشغالها بالدفاع عن النظام؛ وعربدة إسرائيلية في سماء وأرض البلاد، دون أي رادع؛ وعشرات الآلاف من الغزاة الأجانب، تحت صفات شتى ولصالح أجندات جهادية ومذهبية متشابكة؛ وتسليم شبه تامّ لمقدّرات سوريا، وما تبقى من جيش النظام خاصة، للجنرال قاسم سليمان، قائد «الحرس الثوري» الإيراني، وأتباعه من أنصار «حزب الله»؛ واعتماد، اقتصادي ومالي، على إيران يُقدّر اليوم بـ 35 مليار دولار سنوياً!
وهكذا فإنّ النظام رفع مبكراً شعار «الأسد أو نحرق البلد»، وباشر إشعال الحرائق سريعاً، منذ الهتاف الأوّل الذي تعالى في سوق الحريقة. والرماد، أسوة باللهيب، ماثل وشاهد، على مرأى ومسمع العالم بأسره!