صفقة القرن هل هي أسطورة؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

27/6/2018
القدس العربي
المؤلف: 

منذ بداية العام الماضي أصبح مصطلح «صفقة القرن» الذي يرمز لعملية تسوية يتم بموجبها سحب البساط الفلسطيني من بين يدي العرب، وتكريس القدس الشرقية والغربية عاصمة سياسية وثقافية لدولة يهودية، أصبح ذلك المصطلح شائعاً في وسائل الإعلام، وعند المتابعين للقضية الفلسطينية. 
تنوعت تعبيرات وردود أفعال مستخدمي هذا المصطلح بين التكذيب والإحساس بالمؤامرة أو الاستسلام لها. لكن رد الفعل الأقوى كان ذلك الذي يرى أن هذه الصفقة بهذا التعريف والتوصيف مستحيلة، وأن المنطقة، بشعوبها وقياداتها، ومهما كان ما تعاني منه من ضعف، فإنها لا يمكن أن تقبل بتسوية كهذه، بل بلغ الأمر حد السخرية والتندر بهذا المصطلح الدعائي، بزعم أنه لا وجود له ولا أثر في أي عملية تفاوضية معلنة. لكن هناك مؤشرات كثيرة تجعلنا نتعامل مع هذا الافتراض الذي لا يستبعد الوصول إلى اتفاق يتم الإعلان عنه بشكل تدريجي وهي مؤشرات تجبرنا على أخذ الموضوع على محمل الجد، فبالإضافة إلى ضعف الحالة العربية والانشغال الذي تسببت فيه التطورات السياسية المعقدة الحالية، التي كان من نتائجها إفراز واقع كان له أثر كبير في نأي دول عربية مهمة بنفسها عن القضية الفلسطينية، بالإضافة إلى كل ذلك، تأتي التصريحات المستفزة من قبل القيادات الصهيونية كحديثهم عن وجود تقارب وتفاهمات وقنوات للتواصل مع أطراف عربية، ووجود تنسيق سوف يتعزز في الفترة المقبلة من أجل درء الأخطار و»التهديدات المشتركة».
يتزامن كل ذلك مع الحديث الذي لا يقل غموضاً عن مبادرة سلام أمريكية جديدة، مدعومة من الإدارة الحالية، المعروفة بموقفها العنصري وميولها الصهيونية التي لا تحاول حتى إخفاءها. ذلك كله جعل البعض يربطون بين صفقة القرن ومبادرة السلام الصهيوأمريكية المقبلة باعتبار أنهما قد يكونان وجهين لعملة واحدة.

مؤشر آخر يمكن لمن يتابع المناقشات الثقافية والسياسية وصداها على وسائل التواصل الاجتماعي، أن يلاحظ ذلك الميل والانحياز المتصاعد من قبل شخصيات وتيارات بخلفيات مختلفة، للتطبيع مع الكيان الصهيوني، ومحاولات أولئك للتبشير بذلك والترويج لما يمكن أن يحمله من فوائد وتبعات إيجابية. المفارقة هي أن هذا الصوت العقلاني الداعي للحوار والتعايش ونسيان خلافات الماضي، ما يلبث أن يختفي أو يتحول إلى صوت خافت خجول مع المخالفين من بني جلدته، بل يتحول كثير من أصحاب هذا المنهج العقلاني الحداثي، في تناقض غريب، لدعاة للفرقة والقطيعة والحرب التي لا هوادة فيها ضد أطراف أخرى داخل المنطقة.

هناك إذن انحياز لا يمكن إنكاره لدى بعض الشرائح الشعبية لصالح التطبيع، هذا الانحياز يتزامن مع انحياز معلن آخر من جانب القوة الأكبر في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية، لصالح المشروع الصهيوني. سوف ينتج عن هذا الانحياز الأخير توسع في منح صكوك الغفران للكيان، رغم ما يقترفه من جرائم والدعوة لما يشبه منحه حصانة تنجيه وتفلته من أي عقاب أو مساءلة، اعتباراً لظروفه الخاصة وواقعه الجيوبوليتيكي، الذي وضع نفسه فيه. صحيح أن الولايات المتحدة كانت على الدوام الداعم الرئيس لهذا الكيان، إلا أن العلاقة بين الطرفين دخلت منذ تولي الرئيس ترامب أطواراً غير مسبوقة أو متوقعة. كان من أهم المفاجآت على سبيل المثال التجرؤ على الاعتراف بالقدس عاصمة يهودية صهيونية، ونقل السفارة الأمريكية إليها، كما كان من بينها الانسحاب الغريب وغير المسبوق من المجلس الأممي لحقوق الإنسان، ومن دعم منظمة اليونسكو ووكالة الأونروا الداعمة للاجئين الفلسطينيين، بحجة تحيز كل هذه المؤسسات ضد الحليف الإسرائيلي وإمعاناً في زيادة الضغوط على الجانب الفلسطيني.

التفكير بصفقة تسوية كبرى يذكّر بالمشروع الذي أطلقه جورج بوش الابن بعد أشهر قليلة من غزوه للعراق وهو ذلك الذي سماه بالشرق الأوسط الكبير، المشروع الذي تلا بدوره المشروع الآخر للشرق الأوسط الجديد، ذلك المشروع الذي راج في نهاية التسعينيات قبل أن يفشل تحت ضغط المقاومين. وجه الشبه بين كل هذه المشاريع هو إيجاد منطقة مشرقية جديدة لا تشمل فقط الدول العربية (وإلا لسمي الشرق العربي)، وإنما تشمل الكيان الصهيوني أيضاً الذي سيتحول بالتدريج لدولة معتبرة ومعترف بها.

بعض المنظرين الغربيين، حتى مع افتراض حسن النية، يتعاطون مع ما يعرف بالصراع العربي الاسرائيلي بشكل مضلل، بمعنى اختصاره في المقاطعة السياسية المفروضة من قبل المجموعة العربية على دولة جارة بسبب التاريخ والحساسيات التي ولدتها الحروب. لا شك في أن هذه النظرة بهذا الشكل فيها تبسيط كثير مخل وتشويه لحقيقة ما حدث منذ قيام هذا الكيان في عام 1948 على أرض لا يملكها، فالعلاقة بين شعوب المنطقة والمحتلين من اليهود ليست مثل العلاقة بين الشعبين الفرنسي والألماني، التي وصلت أبلغ درجات السوء إبان الحروب العالمية، ثم ما لبثت أن تحسنت حتى وصلت لدرجة التحالف في الوقت الحالي، بفضل مشاريع الربط الاقتصادي والتجاري والتوحد في ظل رؤية إقليمية. الوضع العربي مختلف، وكذلك الحالة الصهيونية ليست إلا استثناء لا وجود لمثله في التاريخ لاحتلال لا يكتفي فقط بسرقة المكان، بل التاريخ والزمان أيضاً.

بشكل عملي وواقعي ومن أجل إنجاح صفقة القرن المفترضة، فهم يعملون على محورين متوازيين أساسيين، يتمثلان في تحييد الحركات والجماعات المقاومة للتطبيع، والعمل على إبعادها عن ساحة التأثير، مقابل تسليط الضوء والدعاية لأصحاب الرؤية البديلة المبنية على التفاوض والتقارب، ومنحهم قدرة أكبر على صنع الواقع السياسي، عبر تعزيز دورهم «المعتدل» المفضي إلى مفاوضات الوضع النهائي، التي يجب أن تقود إلى تسليم مطلق بحق الصهاينة في أرض فلسطين، والرضى بشبه دولة فلسطينية، أو بكيان متواضع يقوم على هامش الخريطة التاريخية للبقاع المقدسة. هذا يتجاوز حتى فكرة المبادرة العربية التي كانت تقترح سلاماً مقابل رد بعض الحقوق للفلسطينيين، فالمطلوب في هذه المرحلة سلام شامل أو تسليم بلا مقابل، سوى القليل مما يشبه ذر الرماد في العيون.

يبدو الواقع محبطاً بلا شك، هذا الإحباط هو ما جعل القادة وصناع الرأي يعربون عن الضجر والرغبة في إنهاء ما بدا لهم صداعا مزمنا بأي ثمن، هذه حقيقة، لكن هناك حقيقة أخرى يجب أن نراها، وهي أن بقع الضوء ما تزال موجودة وأن رسائل إيجابية كثيرة ما تزال تأتينا كل يوم مذكرة بنصر قريب، رغم كل ما يحيط بنا من سواد. نصر سيأتي رغماً عن أنف الواقع المشحون بالانقسامات والمزايدات والابتزاز. يبقى ضوء الأمل موجوداً. أمل نراه في صور الأقصى ومجموعات المرابطين والمرابطات. في الثورات التي اشتعلت في كل مكان غضباً من استلاب القدس ومن تجديد الظلم. في الانتفاضات العزلاء ومسيرات العودة والتظاهرات اليومية التي لا تنتهي رغم أثمانها الغالية. لا يهم أن تكون هذه الصفقة حقيقة أو مجرد مبالغة أسطورية، المهم أن يبقى الأمل موجوداً وأن يبقى الإيمان كذلك موجوداً باقتراب النصر مهما طال ليل الخذلان.

تعليقات