قبل دقيقة واحدة فقط!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2018-09-20
القدس العربي
المؤلف: 

قال الروس إن الإسرائيليين لم يخبروهم عن العملية التي استهدفت مستودعاً لذخيرة قوات الأسد، قرب اللاذقية، إلا قبل تنفيذها بدقيقة واحدة. فلم تكن هذه الفترة كافية ليبعدوا طائرتهم العسكرية التي أسقطتها الدفاعات الجوية لنظام الأسد الكيماوي بالخطأ، أثناء تصديها للصواريخ الإسرائيلية التي استهدفت الموقع العسكري الأسدي.

ماذا يعني ذلك؟

يعني أولاً، أن مستوى الثقة بين تل أبيب وموسكو، في سوريا، هي من العلو مما يجعل الأولى لا تشعر بالحاجة لإبلاغ الثانية بنواياها العملياتية قبل فترة طويلة. وأن إسرائيل معها كرت أبيض من روسيا لضرب أي هدف على الأراضي السورية وقتما تشاء.

هذا كله معروف سابقاً ويمكن استخلاصه من كل الضربات الإسرائيلية السابقة لمواقع إيرانية أو لحزب الله أو أسدية في سورية. لكن الجديد هو دخول الطائرة الروسية المنكوبة بركابها الخمسة عشر على خط مواجهة إسرائيلية ـ أسدية.

كيف حدث أن إسرائيل لم تحسب حساباً لاحتمال من النوع الذي حدث، في منطقة قريبة من القاعدة الجوية الروسية في حميميم، حيث من الطبيعي أن يكون هناك تحليق متكرر للطائرات الروسية من وإلى القاعدة المذكورة. هل كانت مطمئنة من أن الدفاعات الجوية لن ترد على ضرباتها، كما يحدث غالباً؟ أم أن في الأمر تقصداً، وراءه رسالة أمريكية إلى روسيا، على ما ذهب بعض المعلقين؟ 

يتطلب الأمر اجتماع عدد من المصادفات ليصح الحديث عن «رسالة» وأمريكية فوق ذلك!. أي أن تعرف إسرائيل مسبقاً بتحليق الطائرة الروسية في ذلك الوقت، وأن تتوقع رداً من وسائل الدفاع الجوي الأسدية، وأن تخطئ هذه الهدف فتصيب الطائرة الروسية.

لا يبدو هذا معقولاً، والأرجح أن ما شجع البعض على افتراض من هذا النوع هو توقيت العملية الإسرائيلية التي جاءت بعد تفاهمات سوتشي بين بوتين وأردوغان على خريطة طريق بشأن إدلب يستبعد العملية العسكرية التي كان يخطط لها الروس والنظام الكيماوي هناك. 

من المرجح إذن أن الحادث غير مقصود من أي من الأطراف المعنية به، ما لم تسفر التحقيقات عن غير ذلك. وبهذا المعنى فهو يكشف استرخاءً روسياً، واستهتاراً إسرائيلياً، وتخلفاً تقنياً في سلاح الدفاع الجوي الروسي الموضوع في أيدٍ لا تتقن التعامل معها. أو على الأقل هناك فوضى غريبة يتشارك فيها الروس والأسديون والإسرائيليون أدت إلى هذا الهدف في «المرمى الصديق».

لكن الأهم من سقوط الطائرة الروسية، هو اتفاق سوتشي بين بوتين وأردوغان حول حل سلمي لموضوع إدلب، بعدما كان العالم كله يتوقع هجوماً ينهي آخر معاقل الفصائل العسكرية، ويؤدي إلى كارثة إنسانية كبيرة، قتلاً وتهجيراً للمدنيين. فما الذي حدث بين السابع من شهر أيلول حين رفض الروس، في قمة طهران، العرض التركي بوقف إطلاق النار، والسابع عشر من الشهر نفسه في اجتماع سوتشي، لكي يتراجع بوتين عن موقفه ويسلم لتركيا بحل عقدة إدلب بلا قتال؟

تشير أغلب التحليلات الرائجة إلى ضغوط أمريكية ـ أوروبية على روسيا، ربما وصلت درجة التهديد، باعتبارها سبباً لهذا التغير في الموقف الروسي. ولكن إذا نظرنا إلى التصريحات الأمريكية والأوروبية، في الفترة الماضية، سنرى أنها كانت أدعى لتعزيز الاعتقاد بموافقة أمريكية ـ أوروبية على اجتياح النظام لإدلب بغطاء جوي روسي.

فقد حذرت تلك التصريحات من استخدام السلاح الكيميائي، ولم تطالب روسيا بإلغاء العمل العسكري ضد إدلب. فكانت تلك الصيغة الشهيرة حول السماح باستخدام جميع أنواع الأسلحة باستثناء السلاح الكيميائي، وهو ما يعني موافقة ضمنية على العمل العسكري نفسه.

هل كانت «ورقة المبادئ» التي طرحتها واشنطن في اجتماع المجموعة المصغرة هي الحدث الفصل بين استرخاء وتسليم أمريكي لروسيا، وتشدد مستجد؟ أم أن «حكمة» بوتين دفعته إلى إرضاء تركيا للحفاظ على إطار آستانة ـ سوتشي الثلاثي. ذلك أن انفراط عقد هذا الثالوث من شأنه المخاطرة بعدم ترجمة الإنجازات العسكرية الروسية في سورية إلى نتائج سياسية.

حتى هذا التفسير لا يبدو مرضياً، لأن أبرز ما حدث في قمة سوتشي، كان غياب الرئيس الإيراني حسن روحاني عنه. فبدا الأمر وكأن ما تعذر الوصول إليه، في قمة طهران، بحضور إيران، بات ممكناً في غيابها في سوتشي.

صحيح أن إيران ليست في وضع مريح يتيح لها تفكيك الإطار الثلاثي، بخلاف تركيا، لكن استبعادها عن القرار بشـأن مصير إدلب قد يشكل سابقة يبنى عليها بخصوص الوجود الإيراني في سوريا ككل، وهو الأمر الذي تشدد عليه واشنطن في إطار مواجهتها الشاملة ضد إيران.

يبقى أن مصير إدلب لا يمكن أن يخضع لتوقعات دقيقة، بسبب تعدد العوامل الفاعلة فيه، من جبهة تحرير الشام (النصرة سابقاً) إلى الفصائل المتحالفة مع تركيا، إلى الحراك المدني الذي شهد انتعاشاً كبيراً في الأسبوع الماضي، إلى العلاقة الدقيقة بين أنقرة وموسكو، إلى ما قد تريده واشنطن وتستطيع إرغام موسكو عليه، وصولاً إلى «العملية السياسية» التي يعمل عليها ديمستورا وغيرها من العوامل السيالة. 

خريطة الطريق التي اتفق عليها بوتين وأردوغان تمتد زمنياً لتنفيذها إلى شهر كانون الأول. ما يعني أن الروس يراهنون على «حل تركي» لموضوع هيئة تحرير الشام، ثم للفصائل «المعتدلة»، بموازاة عملية ديمستورا السياسية بشأن الدستور. فبوتين يطمح لإنهاء الصراع في سوريا قبل نهاية العام. لننتظر ونرى ما إذا كان للأمريكيين رأي آخر.