كوباني والحرب على الإرهاب و«قبر السلطان»… أحصنة طروادة لأردوغان في عرين الأسد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

4/10/2014
القدس العربي
المؤلف: 

لعلها اللحظة التي انتظرتها تركيا طويلا من اجل وضع قدمها في سوريا.. فالظرف الدولي والاقليمي يوفر غطاء يشرعن التدخل التركي، لاقامة منطقة حدودية عازلة اكثر من اي وقت مضى.
اذا اقدمت تركيا بالفعل على تدخلها، فلن يكون لحماية كوباني الكردية بقدر ما هو لاضعاف حزب الـ pyd الكردي، وابعاد ميليشيات الاكراد عن حدودها.. ولن يكون لمحاربة «داعش» بقدر ما هو لتوجيه صفعة لنظام الاسد ودعم فصائل المعارضة له، بتوفير ملاذ آمن لهم داخل الاراضي السورية وخرق سيادة النظام بمنطقة عازلة عن صواريخه وطائراته.

يريد الاتراك استثمار الحملة الدولية على الارهاب لمصلحتهم، ولن يشنوا حربا بالوكالة عن الغرب، كما تفعل الدول العربية، فمحاربة «داعش» واضعافه هي من ضمن اهداف الاتراك، ولكنها ليست اولوية. كهدف استراتيجي فإن اسقاط نظام الاسد هو الاولوية. وكهدف مرحلي فان اقامة منطقة عازلة سيريح تركيا من اعباء مليون ونصف المليون نازح سوري، كما ان هذه المنطقة العازلة (ان تحققت) ستتيح للاتراك اعادة ترتيب ودعم فصائل المعارضة المسلحة الاسلامية المناوئة لـ»داعش»، التي ترتبط معها بعلاقات وطيدة، كأحرار الشام والتوحيد وصقور الشام، وحتى الفصائل المنضوية بهيئة اركان الجيش الحر الاقل راديكالية كفصيل جمال معروف… لأن دعم هذه الفصائل هو الضامن لابقاء قوة سنية مسلحة في وجه النظام، في حال تم اضعاف تنظيم «داعش»، الذي باتت هزيمته مصلحة ايرانية وهدفا للنظام ايضا، فلا يمكن تخليص النظام من خصومه من غير التوثق من إعادة تأهيل الفصائل المعارضة لتكون قادرة على حماية مناطق المعارضة ومواجهة النظام عسكريا، خصوصا ان الهزائم الكبيرة الاخيرة التي لحقت بالنظام كانت على يد «داعش» في الرقة وريف حماة الشرقي وليس فصائل المعارضة الاخرى. كل الباحثين الاتراك المقربين من مراكز اتخاذ القرار في الحكومة التركية يؤكدون ان سياسة حكومتهم ينصب على «معالجة عميقة لموضوع الارهاب» بالقضاء على اسباب ظهوره المتمثلة بالنظام، وهو ما اعلنه اردوغان نفسه قبل ايام. فهو ينظر للصراع في سوريا بعين تركية تعادي النظام قبل «داعش»، لا بعين امريكية تعادي «داعش» أكثر من النظام، وهي نظرة تروق لثوار سوريا الذين استفزهم التدخل الدولي لضرب «داعش» فقط وليس الاسد!

ولا ننسى ان مجرد الشروع في اقامة هذه المنطقة الفاصلة على الحدود التركية يحتم طرد قوات النظام السوري من نقاط ما زال يتشبت بها عند الحدود التركية، وهي كسب في اللاذقية، وجسر الشغور في ادلب، والحسكة.
كوباني المهددة، والحرب على الارهاب، اضافة لقبر «السلطان»، كلها اذن «اغطية شرعية» توفر مناخا اقليميا ودوليا محفزا لتركيا للتدخل في سوريا لأهداف واولويات تختلف عن اهداف الحلف الدولي، الذي يتدخل حاليا لمحاربة «داعش»، كوباني وقبر السلطان والحرب على الارهاب احصنة طروادة لتركيا في عرين الاسد!

كثيرا ما تكون مصائب قوم عند قوم فوائد، وما اشبه كوباني اليوم بالدامور اللبنانية عام 1976، يومها تدخل الجيش السوري بحجة الدفاع عن المسيحيين الموارنة الذين لم يكونوا حلفاءه، فعاد واصطدم بهم واغتال قادتهم، وهكذا فان التدخل التركي (ان حصل) لن يكون لعيون الاكراد في «عين العرب كوباني».

وكما نفذت الميليشيات المسيحية مجزرة في الكرنتينا لترد عليها قوات الحركة الوطنية والفلسطينيين بمجزرة في الدامور، فان هجمات الميليشيات الكردية على القرى العربية منذ عام (وآخرها مجزرة اوقعت عشرين مدنيا عربيا بضمنهم اطفال) ارتدت اليوم على الاكراد بهجمات «داعش» الذي تتحالف معه مجموعات عربية عشائرية من القرى العربية قرب كوباني، التي ارتكبت هي الاخرى مجازر وتجاوزات، اما المستفيد من هذا الصراع فهم الاتراك الذين منحهم صراع تنظيم الدولة وميليشيات الاكراد فرصة لموطئ قدم في سوريا.

ولكن هل ستنجح تركيا فعلا في تنفيذ خطوتها بدخول بري محدود لاقامة منطقة عازلة، سواء بـ5 كيلومترات أو 30 كيلومترا؟
اعتقد ان الامر يتوقف على موقفين معارضين اساسيين، الامريكيين والايرانيين، فلا بد لتركيا ان تقنع امريكا بان خطوتها لن تؤدي لزعزعة موازين القوى لصالح المعارضة الاسلامية، خصوصا في دمشق، فالغرب اراد ابقاء توازن القوى بين المعارضة الاسلامية والنظام، لأنه لا يملك افقا للتعامل مع نظام اسلامي في دمشق، كما انه لا يريد تنامي نفوذ قوة الاسد كمحور اساسي في التحالف الايراني، لذلك قد يرفع الفيتو الامريكي على التدخل التركي في حال تمكنت انقرة من اقناع الغرب بأن خطوتها تصب في اطار حملتهم لمكافحة الارهاب.

اما ايران، فعلينا ان نتذكر انها نجحت لحد الان في حماية مناطق نفوذها السيادية في الاقليم، من بيروت الى دمشق لبغداد، بل زادت عليهم صنعاء! ولعل الخرق الوحيد الذي واجه إيران هو خسارة الموصل ومعظم المحافظات السنية في العراق على يد «داعش» وخروجها عن سيطرة حكومة بغداد الموالية لها، وهو ما اضطر قاسم سليماني للنزول لميدان المعركة بنفسه. وعلى هذا الاساس فان «داعش» قد تكون سببا غير مباشر هذه المرة لترسيخ خروج المنطقة الشمالية لسوريا من سيطرة النظام نهائيا هذه المرة، بريا وجويا، ولكن هذه المرة على يد قوات تركية. لذلك فان الخطوة التركية قد تواجه بلا شك بغضب ايراني كبير، ورغم ان العلاقات التركية الايرانية قوية الا ان الملفين السوري والعراقي كانا من ابرز نقاط الخلاف المستعصية منذ سنوات بين البلدين، لكن قد تضطر ايران للخضوع للخطوة التركية في التدخل في سوريا، بعد ان عجزت عن ممانعة التدخل الغربي بحملة مكافحة الارهاب في مناطق نفوذها في العراق وسوريا، رغم معارضتها الشديدة لها… وفي حال تمكنت فعلا تركيا من تحقيق خطتها بإقامة منطقة عازلة ستكون بذلك اولا قد منحت ثوار سوريا اول بقعة ارض سورية محررة تحظى بحماية جوية وبرية، وتكون تركيا الاردوغانية قد بدأت في استعادة نفوذها الامبراطوري العثماني في «شام شريف»!