لبنان: مفارقات الحق والباطل

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30/8/2015
القدس العربي
المؤلف: 

«حزب الله» هو محرّك الاستقطاب الذي لا يعطل سلسلة استحقاقات سياسية أساسية في لبنان، على رأسها تعذّر انتخاب رئيس للجمهورية العتيدة، منذ 14 شهراً، فحسب؛ بل يهيمن الحزب، مثل سيف مسلط فائق السطوة، على كامل الحياة السياسية اللبنانية. ومع ذلك، فإنّ صور أمينه العام، حسن نصر الله، لم تتجاور مع صور الغالبية الساحقة من ساسة لبنان، على «جدار العار» الشهير الذي انتصب خلال الساعات الأولى من اعتصامات ساحة رياض الصلح، مثل معظم التظاهرات اللاحقة.

ثمة مَنْ اكتفى بتفسير أوّل، بسيط وصحيح في آن، يردّ غياب نصر الله إلى الذعر الجَمْعي من بطش السيف المسلط إياه؛ وثمة مَنْ شاء «تركيب» الواقعة، وتعقيدها بعض الشيء، فاعتبر أنّ شريحة واسعة من المعتصمين تثمّن فكرة «المقاومة»، الأمر الذي أعفى «سيد المقاومة» من ورطة التواجد مع «القرطة» الفاسدة ذاتها. وثمة، أخيراً وليس آخراً، مَن استهوته نظريات المؤامرة، ففسّر الحالة بالقول إن «حزب الله» لم يتأخر في ركوب الموجة، فصار أحد كبار مهندسيها، بدليل ارتفاع شعارات مذهبية صرفة، يطلقها شبّان تحمل أجسادهم وشوم المذهب.
هذه، في كلّ حال، مفارقة أولى اكتنفت حراكاً شعبياً بدأ أصلاً من مفارقة انتفاض الشارع إزاء تراكم النفايات؛ مقابل سكوت الشارع ذاته، طيلة سنة ونيف، عن 20 اجتماعاً عقيماً لمجلس وزراء تصريف الأعمال، لم يتمخض أي منها عن حلّ معضلة شغور المنصب الأوّل في الجمهورية؛ وسكوته عن حكاية «المراسيم غير التوافقية»، والتعيينات الأمنية، وتنصيب أصهار الجنرال ميشيل عون هنا وهناك في مواقع «الدولة»؛ وسكوته، بادئ ذي بدء كما في نهاية المطاف، عن قتال «حزب الله» إلى جانب النظام السوري، وزجّ لبنان في أتون أحلاف مذهبية/ عسكرية مدمرة، تتجاوز لبنان وسوريا، إلى العراق واليمن.

ولكي لا يبدو «حزب الله» وكأنه المسبّب الأوحد وراء جلّ مصائب لبنان المعاصر، فإنّ مفارقة الحراك الشعبي الراهن تخصّ الفريق المقابل، إذا جاز هذا التصنيف؛ أي قيادات السنّة، في الصفّ المعارض على نحو أدقّ، حيث تراث رفيق الحريري، أو «المستر لبنان» كما سُمّي ذات يوم؛ وليس في الصفّ السنّي الآخر، البيروقراطي التكنوقراطي شبه المحايد إزاء سيف «حزب الله» المسلط (كما في مثال تمام سلام، رئيس الوزراء الحالي). فإذا صحّ أنّ سعد الحريري، الوصيّ على الإرث السنّي الحريري، لم يتمتع يوماً بأيّ من صفات والده، سواء تلك التي تخصّ الشخصية القيادية، أو تلك التي تتصل بفنون المناورة والشطارة والتقلّب، مع النظام السوري خاصة؛ فإنّ من الصحيح، في المقابل، أنّ أشرف ريفي وزير العدل والمدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي، ونهاد المشنوق وزير الداخلية والصحافي السابق، لم يفلحا في تشكيل استقطاب سنّي فاعل وعابر للطوائف، في موازاة الاستقطاب الذي يقوده «حزب الله». على العكس، في الواقع، لأنّ المشنوق اليوم شخصية رجيمة، ليس في ملفّ النفايات والمطامر وحدها، بل بصدد خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع و»جدار العار»…

وتبقى مفارقة ثالثة، يصنعها متظاهر أوّل، جاء حاملاً طفله على كتفيه، ولعلّ والده أو جدّه سار على ميمنة منه أو ميسرة؛ ومتظاهر ثانٍ، جاء من كندا لقضاء إجازة في لبنانه الحبيب، الأخضر الحلو، فهالته أكوام القمامة، ونزل إلى الشارع، مصطحباً كلبه؛ ومتظاهر ثالث، لم ينخرط في الجموع إلا بعد أن عرّى النصف الأعلى من جسده، لكي يُشهر «سيف ذو الفقار»، حتى بوسيلة الوشم.
ليس دون أن تخيم على الجميع مفارقة كبرى مشتركة: أنّ الكثير من حقّ هذا الحراك الشعبي، لا يُراد به إلا الباطل!

تعليقات