ليس بـ«داعش» وحدها ينتفض العراق

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

15/ 06/ 2014
القدس العربي
المؤلف: 

قبل أن تجتاح «داعش» مدن العراق، وأمام زحف مقاتليها يتفكك جيش نوري المالكي (بقدرة قادر، أو بتآمر متآمر!)؛ كانت معظم وحدات هذا الجيش قد تربّت في كنف الاحتلال الأمريكي، وتشرّبت عقيدة البنتاغون؛ ثمّ حقنها جنرالات المالكي بجرعات متعاقبة من التطييف والتمذهب والفئوية والفساد والتحلل. وكما هي حال أيّ احتلال على مدار التاريخ، لم تكن القوّات الأمريكية تخرج من مأزق، حتى تدخل في آخر جديد، يحدث غالباً أن يكون امتداداً للمأزق السابق، وسط تقاطع بانورامي يشمل الجغرافيا العراقية، بأسرها تقريباً: الفلوجة ثمّ النجف، وسامراء، ومدينة الصدر، قبيل الانتقال إلى الموصل، وبعقوبة، والرمادي…

في غضون ذلك، كان جيش المالكي لا يتعلّم شيئاً على نحو عراقي، وطني أو عسكري أو سياسي أو ثقافي، او حتى إنساني محض؛ وكان، في المقابل، يتدرّب على محاكاة المحتلّ، وإعادة إنتاج ممارساته الأمنية، والعنفية منها بصفة خاصة، حتى تحين الساعة. وحين حانت، بالفعل، قبل أشهر قليلة، في الأنبار والرمادي، وقبل أن تُعقد الرايات لـ»داعش»، بوسائل التهويل الإعلامي المتعمد الخبيث أو القاصر الجاهل؛ لم يكذّب جنرالات المالكي خبراً، فتصرّفوا مع الأهالي كقوّة احتلال، قاهرة، متغطرسة، لا وطنية، وطائفية. وانخرط المالكي، نفسه، في تشغيل الأسطوانة المكرورة إياها، فأطلق صفة «الإرهاب» على الاعتصامات الشعبية، وربطها بمنظمة «القاعدة»، واستعار من حسن نصر الله نغمة «التكفير» و»التكفيريين».

يومذاك، وكما في كلّ دورة حاسمة في تاريخ العراق، كانت الفلوجة مسرحاً دامياً ورمزاً دائماً في آن معاً، فأُخضعت لقانون طواريء غير شرعي (لأنّ فرضه مشروط دستورياً بإقرار البرلمان)، وحوصرت، وقُصفت، وهُدمت منازلها بالبلدوزرات، وقُطعت عنها وسائل الاتصال، أسوة بالمياه والكهرباء، وشحّت فيها الأغذية والمعدّات الطبية. وبالطبع، نسي جنرالات المالكي أن مدينة الفلوجة هذه ذاتها تعرّضت، في العام 1998، إلى تنكيل شديد واضطهاد وحصار على يد قوّات صدام حسين؛ لأنّ أئمة مساجدها، وهي التي تُلقّب بـ»مدينة الألف مسجد»، رفضوا التسبيح للطاغية في عيد ميلاده.

قبلهم كان جنرالات أمريكا قد تناسوا أنّ السبب المباشر لاندلاع المقاومة في الفلوجة لم يكن أبو مصعب الزرقاوي أو أسامة بن لادن أو البعثيين الصدّاميين، كما زعمت آلة الدعاية الأمريكية حينذاك؛ بل هي المجزرة التي ارتكبتها قوّات الاحتلال الأمريكية في المدينة، يوم 28 نيسان/ أبريل 2003، بحقّ الطلبة الذين تظاهروا ضدّ احتلال مدارسهم، وسقط يومها 18 قتيلاً و200 جريح. أمّا السياق السياسي فقد كان يشير إلى اقتناع واشنطن، تحت وطأة تنظيرات «المحافظين الجدد»، بإقامة المعادلة السياسية في العراق على ركيزتَين، شيعية وكردية، وإبعاد السنّة إلى الهامش بعد تطهير ما يُسمّى «المثلث السنّي» من كلّ أسباب المقاومة السياسية أو العسكرية. وبالطبع، كانت واشنطن، ومثلها يفعل المالكي اليوم، تقامر بقلب التحالفات رأساً على عقب، وتوحيد الصفّ السنّي الذي عانى على الدوام من انقسامات قديمة ومزمنة.

كذلك تناسى الجنرالات، في جيش جورج بوش الابن، وفي جيش نوري المالكي، سواء بسواء؛ درس ربيع 1920، حين نفّذت قوات الانتداب البريطاني مجزرة في الفلوجة أودت بحياة عشرة آلاف عراقي، وألف جندي بريطاني وهندي؛ ولم ينجح أحد أعظم جيوش العالم آنذاك في قهر العراق، ولا في إخضاع المدينة ذاتها. ولقد كتب ت. إي. لورانس، أو «لورانس العرب» في لقبه الأشهر: «لقد اقتيد شعب بريطانيا إلى مصيدة في بلاد الرافدين. والأمور أسوأ مما يُقال لنا، وحكومتنا أكثر دموية مما يعتقد الجمهور. هذا عار على سجلّنا الإمبريالي، ولسنا اليوم بعيدين كثيراً عن الكارثة». حينذاك، كان على رأس القتلى العراقيين وجيه المدينة الشيخ الضاري، جدّ الشيخ حارث الضاري وجيه الفلوجة الحالي؛ وأبرز القتلى البريطانيين كان الجنرال جيرالد ليشمان، الذي قد يكون جدّ أحد المقاتلين البريطانيين الذين شاركوا الولايات المتحدة في احتلال العراق.

وأياً كان حجم الأخطار الإرهابية والظلامية التي يمثّلها اختراق «داعش» للحراك الشعبي، والعسكري، الذي يتعاظم اليوم في العراق؛ ويقتضي، استطراداً، قراءات أشدّ تعمقاً في عناصر المشهد، المعقد أصلاً، على أصعدة إقليمية، سورية وإيرانية وتركية، قبل تلك المحلية؛ فإنّ الأسهل، الأقلّ عقلانية والأكثر تبسيطاً، هو الاقتصار على «داعش»، واجترار كليشيهات طنانة جوفاء، سابحة في سديم مجرد: «شرعة أهل الحلّ والعقد»، أو «دولة الأحكام السلطانية»، أو «الخلافة الإسلامية»… على سبيل المثال.